إطلالة
لم تعد أزمة الخبز التمويني مجرد شكوى عابرة، بل تحولت إلى معاناة يومية تمس كرامة المواطن وحقه في أبسط مقومات الحياة. فسرقات أصحاب المخابز التموينية، خاصة في القرى، باتت ظاهرة معروفة يتداولها الأهالي علنًا، دون أن تجد طريقها إلى حل جذري. وما يحدث في قرية ميت طريف بالمنصورة ليس استثناءً، بل نموذجًا صارخًا لأزمة ممتدة في الريف المصري.
منذ ساعات الليل الأولى، يخرج الأهالي من بيوتهم لحجز دورهم في طوابير الخبز، حاملين كراسي أو أحجارًا كعلامة على الحضور، في مشهد يعكس حجم المعاناة. نساء، كبار سن، وعمال يضطرون للسهر في الشوارع أملاً في الحصول على عدد محدود من أرغفة العيش المدعم. ومع بزوغ الفجر، تبدأ الصدمة: نقص في الكميات، تلاعب في الأوزان، رداءة في الجودة، وأحيانًا إغلاق مفاجئ للمخبز بحجج واهية.
الأخطر من ذلك هو ما يتردد عن ممارسات مشينة لبعض أصحاب المخابز، من بيع الدقيق في السوق السوداء، أو تقليل عدد الأرغفة المستحقة لكل مواطن، مستغلين ضعف الرقابة وبعد القرى عن أعين المسؤولين. ورغم تقديم عدد كبير من الشكاوى إلى الجهات المختصة، إلا أن النتيجة غالبًا ما تكون واحدة: حملات تفتيش مؤقتة، ووعود لا تُنفذ، ثم تعود الأمور إلى ما كانت عليه، وكأن شيئًا لم يكن. فلا حياة لمن تنادي.
هذه الأزمة تفتح الباب أمام تساؤل مهم: هل نظام الخبز الحالي هو الحل الأمثل للقرى؟ أم أنه أصبح عبئًا ومصدرًا للفساد؟
أعتقد أن الحل في هذه الأزمة هو العودة إلى صرف الدقيق للأفراد، وإجبار الفلاحين على خبز العيش بأنفسهم كما كان يحدث من قبل.
ففي الماضي، كان الفلاح يعتمد على نفسه في صناعة خبزه، وهو ما كان يضمن له الكمية والجودة، ويغلق الباب أمام تلاعب أصحاب المخابز. صرف الدقيق مباشرة للأفراد قد يكون أكثر عدالة وأقل تكلفة على الدولة من دعم منظومة مليئة بالثغرات. وحتى في حالة وجود أسر لا تستطيع الخبز أو لا تمتلك أفرانًا، فإن الواقع يؤكد وجود سيدات في القرى يقمن بخبز العيش مقابل أجر مادي بسيط، وهو أهون بكثير من الإذلال والمعاناة اليومية في طوابير الخبز.
إن قضية الخبز ليست مجرد رغيف، بل هي قضية عدالة اجتماعية وكرامة إنسانية. وإذا استمر تجاهل شكاوى الأهالي، فإن فقدان الثقة بين المواطن والدولة سيتسع. المطلوب اليوم ليس حلولًا شكلية، بل قرارًا شجاعًا يعيد الحق لأصحابه، ويضع حدًا لجشع بعض أصحاب المخابز، سواء بإصلاح جذري للمنظومة أو بالعودة إلى حلول أثبتت نجاحها في الماضي.