حاولنا في المقالين السابقين التأكيد على إن متلازمة "تعفن الدماغ" ليست مجرد ظاهرة عابرة، بل هي تهديد متزايد للوظائف الإدراكية والسلامة النفسية للفرد، ومع مرور الوقت، للنسيج المجتمعي ككل. حيث تظهر الآثار السلبية لهذه المتلازمة في ثلاثة مستويات رئيسية: الإدراكي، والنفسي، والاجتماعي.
أهم الآثار هو تآكل مهارة التفكير النقدي (Critical Thinking). فالدماغ الذي اعتاد على المحتوى المجهز سلفاً يجد صعوبة في بذل الجهد اللازم لتحليل المعلومات المعقدة أو التمييز بين الحقائق والتضليل. يؤدي هذا إلى ضعف كبير في قدرة "التركيز العميق" اللازمة للتعلم الأكاديمي والنمو المهني، حيث يحل مكانه "التركيز الضحل" (Shallow Focus) الذي لا يدوم إلا لثوانٍ معدودة.
تتأثر الذاكرة بشكل مباشر أيضاً؛ فالاعتماد على الإنترنت كذاكرة خارجية يقلل من تمرين الدماغ على الاسترجاع والتخزين، مما يضعف المرونة العصبية (Neuroplasticity).
أما على المستوى النفسي، يخلق الاستهلاك السلبي للمحتوى دورة من الإرهاق والإحباط. على الرغم من قضاء ساعات طويلة أمام الشاشات، فإن الشعور بالوحدة والعزلة قد يتفاقم، لأن التفاعل يكون سطحياً وغير حقيقي. الأهم من ذلك، أن الدماغ يبقى في حالة تأهب دائمة لاستقبال الإشعارات والتحفيزات، مما يرفع مستويات القلق والإجهاد المزمن (Chronic Stress)، وهو ما يرتبط بزيادة الاضطرابات العقلية لدى الفئات الأكثر تعرضاً كالمراهقين.
وعلى صعيدٍ أوسع، يتجاوز أثر هذه المتلازمة حدود الفرد ليمسّ جوهر التفاعل المجتمعي؛ فالمجتمع الذي يعاني أفراده من تشتت الانتباه يفقد القدرة على بناء حوار عام عقلاني. عندما يسيطر الاستهلاك السريع على العقول، تتقلص القدرة على الاستماع العميق والتعاطف مع وجهات النظر المعقدة، مما يؤدي إلى حالة من الاستقطاب الحاد وتسطيح القضايا المصيرية وتحويلها إلى مجرد شعارات رقمية عابرة. إن هذا التآكل في رأس المال الاجتماعي يعني تحول المجتمع من كيان مترابط فكرياً إلى تجمعات من الأفراد المنعزلين داخل فقاعاتهم الخوارزمية، مما يضعف المناعة الجماعية ضد التضليل والجهل.
الخلاصة: إن الثمن البشري لـ "تعفن الدماغ" هو خسارة مشتركة لكل من الفرد والمجتمع، مما يتطلب استجابة سريعة لوقف هذا التآكل الذي يهدد جودة التفكير لدى الاجيال القادمة.