خارج السطر
فى الربع الأخير من القرن الثانى عشر الميلادى، وبعد أن تجاوز المفكر الرائد ابن رشد (1126-1198م) الخمسين من عمره، كتب أحد أهم كتبه وهو «تهافت التهافت» رداً على كتاب «تهافت الفلاسفة» الذى كتبه الفقيه أبو حامد الغزالي( 1058-1111م).
حار الغزالى فى مسائل الوجود والعدم، والخلود والفناء، والخلق والخالق، فحاول استقراء أفكار الفلاسفة، فدرسها وقارنها بمعتقدات الإسلام، وانتهى إلى كُفر الفلاسفة جميعا، وكفَّر مَن يعتقدون اعتقادهم. لكن بعد سبعين عاما، قرأ ابن رشد كتاب الغزالى بعمق، واستعرض دلائله، ناقشها، ثُم رفضها باعتبارها إغلاقاً للعقل، ونفياً لقوانين السببية، التى دعت العقيدة للأخذ بها، وكتب «تهافت التهافت» مؤسسا لقيمة الحوار والمنطق والعقل فى الفكر الإسلامى بدلا من استسهال اطلاق أحكام التكفير والحظر.
بقى كتاب ابن رشد حاضراً ومُهيمناً على العقل الأوروبى لعدة قرون، ليساهم فى تأسيس عصر النهضة العظيم، بينما اعتمد الشرق الإسلامى كتاب أبى حامد دليلاً ومرشداً، فخاصم المجتمع العقل، واستبعد المنطق.
وعلى مدى قرون وقرون مُنيت المجتمعات الشرقية ومنها مصر بأوصياء مُجتمع، يمارسون السيطرة والهيمنة على كل شىء: السياسة، الأدب، الفن، والفكر، فيعتبرون أنفسهم رقباء على كل همسة، مُتحكمين فى كل كلمة، فارضين سيطرتهم على كل مَن يُفكر أو يُبدع خارج سياج سيطرتهم.
مؤخراً تأكدت من ذلك، بعد حضور العرض الخاص لفيلم «المُلحد» تأليف إبراهيم عيسى، وإخراج محمد العدل، وبطولة أحمد حاتم، وهو الذى مُنع عرضه لأكثر من عام دون سبب سوى اسمه. فى الحقيقة، حمل الفيلم رسالة إيمانية عظيمة، تستمسك بقيم المجتمع، وتنتصر لمبادئ الرحمة والتسامح والحوار، دون أى تشكيك فى العقائد. بدون رؤية الفيلم وبمجرد اسمه سارعت فرق الرقابة الإنتهازية إلى شن حملات قاسية ضد إبراهيم عيسى وصناع العمل، وصلت إلى حد إقامة دعوى بحظر عرض الفيلم. وبالفعل تعطل العرض حتى فصل القضاء مؤخرا فى الدعوى وأقر العرض ورد اتهامات المتهافتين.
قبلها بأسابيع قليلة، تعرض فيلم «الست» تأليف أحمد مراد، واخرج مروان حامد، وبطولة كوكبة من نجوم مصر، من قبل عرضه لحملات إدانة وتشويه وتخوين شديدة القسوة، طالت كل شىء ووصلت إلى اعتبار العمل فصل من فصول تشويه الفن المصرى. كان من المنطقى أن يخضع العمل للنقد الطبيعى بعد عرضه، وهذا مقبول، وصحى، ومفيد، لكن استباق العرض، وسب صناعه، وتصيد تصريحاتهم واقتطاعها وارهابهم كشف عن حالة من التربص الغريب بكل فكر أو ابداع جديد. وكأن هُناك مَن يقول للمبدعين «قفوا أماكنكم. تجمدوا».
يُنبئ ذلك عن خلل مُجتمعى كبير فى بلادنا يحتاج لرد مثل «نهافت التهافت»، يبدو كثير من الناس فى بلادى خاضعين لميكرفونات صاخبة، تعتبر نفسها مسئولة عن الوطنية، والدين، والأخلاق، والصالح العام. تُمارس الإرهاب والرقابة والعدوان على الحريات كل يوم، موصدة أى منافذ لحرية التعبير، ورادعة كل مُجترأ على طرح جديد أو مختلف، وقامعة مَن يُفكر خارج القطيع.
لدينا فرقة تهافت عنيفة تضم أنصاف وجهاء، مُدمنى شهرة، عُباد تريندات، لصوص أفكار وأدوار يسترزقون بالقاء الحجارة على السيارات العابرة، ينتفخون بالتفات العوام نحو إفكهم، يظنون أنهم يحكمون الناس والمجتمع.
يتصور هؤلاء أنهم فاعلون، وحاضرون، لكنهم لا يدركون ما ينمو خارج سياقاتهم من وعى وفكر وابداع. إنهم زائلون زائلون لأن الجيل القادم مُبشر بتحرره، وغالب بانفتاحه الكونى، ومتجدد بالعقل والفكر والاطلاع العابر للغات والحدود. لقد رأيت مؤخراً بعضهم، حاورتهم، ناقشتهم وأدركت كم هُم قادرين على تفتيت التهافت الآنى، فهم أعلى وعيا منا وأكثر استقلالاً وفهماً للعالم. وهذا بعض ما يُطمئن.
والله أعلم.