خارج المقصورة
يحمل تاريخ البورصة فى دفاتره سجلًا طويلًا من أساليب التلاعب، تعددت صوره وتبدلت أدواته مع تطور التكنولوجيا، لكن جوهره ظل واحدًا: اصطياد المستثمرين وإسقاطهم فى الفخ.
من يتلاعبٍ يعتمد على إيهام السوق بتحركات سعرية وهمية لأسهم بعينها، إلى شائعات مُصنعة بعناية تصيب الهدف بدقة، وصولًا إلى جيل ثالث أكثر خطورة.. تلاعب يرتدى ثوب التكنولوجيا والذكاء الاصطناعى.
فى نهاية عام 2023، ظهرت نسخة جديدة من هذا العبث المنظم، عندما ابتكرت «مافيا المتلاعبين» أسلوبًا بالغ الشيطنة، سريع الأثر، سهل التنفيذ، قادرًا على حصد الضحايا فى زمن قياسى، وتحقيق مكاسب تُقدَّر بالملايين خارج كل إطار مشروع.
الطريقة «الجهنمية» تقوم على استغلال نماذج الإفصاح الرسمية الخاصة بالشركات، المرسلة إلكترونيًا إلى البورصة، ثم العبث بمحتواها عبر إضافة فقرات مزورة تتعلق بعروض استحواذ، أو زيادات رأسمال، أو تجزئة أسهم، أو غيرها من الأحداث الجوهرية القادرة على تحريك الأسعار صعودًا أو هبوطًا. بعدها يتم ضخ هذه الإفصاحات المفبركة على نطاق واسع عبر منصات التداول وجروبات المستثمرين، لتشتعل السوق على خبر كاذب، ويبدأ الحصاد.
آنذاك، تحركت البورصة بالتنسيق مع الهيئة العامة للرقابة المالية، وتم تتبع الصفحات والحسابات المتورطة، واتخاذ الإجراءات الرادعة، ليُعاد تصحيح المسار قبل أن تتسع دائرة الخسائر.. لكن المشهد اليوم بات أكثر جرأة.. وأكثر خطورة.
لم يعد الأمر مقتصرًا على متلاعبين من خارج المشهد، بل قد تدخل الشركة المالكة للأسهم نفسها إلى قلب اللعبة، عبر تضمين معلومات مضللة أو غير حقيقية داخل القوائم المالية، سواء فى قائمة الدخل أو الأصول، بتنسيق واتفاق مع مراقب الحسابات، على أمل أن تمر هذه البيانات «من تحت الرادار» الرقابى، وهنا يصبح اللعب بالنار حرفيًا.. فالنتائج كارثية لا محالة، خسائر فادحة للمساهمين الرئيسيين، وضربة قاصمة لسمعة الشركة، وإهدار مباشر لمدخرات صغار المستثمرين، مع مسار عقابى قد ينتهى بالشطب، فضلًا عن المسؤولية المهنية والجنائية التى تلاحق مراقب الحسابات الشريك فى هذه اللعبة الشيطانية.
• يا سادة.. الثقة قائمة فى قدرة الجهات الرقابية على حسم هذه الممارسات، مهما تنوعت أدواتها وتبدلت أشكالها، حمايةً لاستقرار سوق الأسهم، وصونًا لأموال صغار المستثمرين من أن تتحول إلى غنيمة سهلة على موائد التلاعب.