همسة طائرة
لا يمكن قراءة حصاد الطيران المدنى المصرى فى عام 2025 بوصفه تحسنًا عابرًا فى مؤشرات التشغيل أو ارتفاعًا تقليديًا فى أعداد الركاب، فالأرقام هذا العام لم تكن محض نتائج، بل لغة دولة تُعلن بها قدرتها على التنظيم والانضباط وبناء الثقة فى أحد أكثر القطاعات حساسية واستراتيجية.
<< يا سادة.. لم يكن عام 2025 عامًا عاديًا فى مسار وزارة الطيران المدنى، بل مثّل نقطة تحول حقيقية بعد سنوات من الضغوط الاقتصادية والتحديات التشغيلية العالمية. ومع تولى الدكتور سامح الحفنى المسئولية، بدت ملامح مقاربة مختلفة، تقوم على الانضباط التشغيلى، والتحول المؤسسى، وتعظيم العائد الاقتصادى من الأصول الجوية المصرية.
<< يا سادة.. خلال عام واحد فقط، انتقل القطاع من مرحلة إدارة التعافى إلى هندسة النمو. فقد سجلت المطارات المصرية نموًا تجاوز 22% فى أعداد الركاب، ونحو 20% فى عدد الرحلات الجوية مقارنة بعام 2024، وفق البيانات التشغيلية الرسمية. وارتفع إجمالى عدد الركاب عبر المطارات المصرية ليقترب من 31 مليون راكب بنهاية 2025، وهو أعلى مستوى تشغيلى تشهده المطارات منذ سنوات.
<< يا سادة.. سجل مطار القاهرة الدولى ذروات تشغيل غير مسبوقة، بلغت فى بعض الأيام أكثر من 100 ألف راكب على ما يقرب من 700 رحلة جوية خلال 24 ساعة، وهو رقم يعكس كفاءة تشغيلية حقيقية، لا ضغطًا مؤقتًا على البنية التحتية.
<< يا سادة.. اللافت أن هذا النمو لم يتركز فى العاصمة وحدها، بل امتد بقوة إلى المطارات السياحية، وعلى رأسها الغردقة وشرم الشيخ وبرج العرب، التى حققت معدلات نمو مزدوجة الرقم، فى مؤشر واضح على إعادة توزيع خريطة الحركة الجوية بما يخدم السياحة والتنمية الإقليمية، ويكسر مركزية التشغيل التاريخية.
<< يا سادة.. فى قلب هذا المشهد، استعادت مصر للطيران جزءًا معتبرًا من دورها الإقليمى. فقد دعمت الشركة الوطنية خطتها التشغيلية بتحديث الأسطول، ورفع كفاءة التشغيل، وفتح وجهات جديدة فى أوروبا والخليج وأفريقيا، إلى جانب تعزيز الشراكات الدولية.
هذه التحركات انعكست فى تحسن معدلات الامتلاء، وضبط التكاليف التشغيلية، وعودة القدرة التنافسية، بما يؤكد أن الرهان لم يكن على الدعم الحكومى فقط، بل على إدارة أكثر كفاءة واستدامة.
يا سادة.. الرسالة الأهم جاءت من الخارج تجاوز مصر نسبة 90% فى نتائج تدقيق منظمة الطيران المدنى الدولى (الإيكاو – ICAO)، إلى جانب إشادات مؤسسات دولية كـ IATA وACI، يؤكد أن المجال الجوى المصرى يُدار وفق معايير السلامة العالمية، وأن الدولة استعادت ثقة المنظمات الدولية وشركات الطيران الكبرى.
<< يا سادة.. هذه الشهادات لا تُمنح بالمجاملات بل تُبنى على أنظمة تشغيل، وإجراءات سلامة، وكفاءة بشرية، وهو ما يجعل الطيران المدنى أحد أدوات القوة الناعمة التى تسبق الاقتصاد وتدعمه فى آن واحد.
يا سادة.. ربما كان الرهان الأذكى فى 2025 هو الاستثمار الهادئ فى العنصر البشرى، عبر برامج تدريب وتأهيل موسعة شملت الملاحة الجوية، والعمليات الأرضية، وأمن وسلامة الطيران. فاستدامة أى إنجاز لا تُبنى على الخرسانة وحدها، بل على كوادر قادرة على الالتزام والانضباط ومواكبة التطور التكنولوجى.. وببساطة شديدة، فإن أداء الطيران المدنى خلال عام 2025 يعكس ملامح تحول هادئ لكنه مؤثر: انتقال من إدارة يومية للأزمات إلى تخطيط متوسط وطويل الأجل.. وإدراك متزايد لدور الطيران كقاطرة للتنمية الاقتصادية والسياحية ومحاولة جادة لإعادة تموضع مصر كمركز إقليمى للنقل الجوى.
<< همسة أخيرة
<< يا سادة.. كان عام 2025 عامًا لاستعادة الثقة، ونقطة ارتكاز مهمة فى عهد «الحفنى»، حيث نجح القطاع فى تحقيق نمو تشغيلى ملموس، واستعادة الثقة الدولية، ووضع أسس أكثر صلابة لمستقبل الطيران المدنى المصرى.
لكن التحدى الحقيقى بعد 2025 يظل سؤالًا مفتوحًا: كيف يتحول هذا الزخم إلى قيمة اقتصادية دائمة دون إنهاك البنية التحتية؟
فى ظل ارتفاع تكاليف التشغيل عالميًا، والمنافسة الإقليمية الشرسة، والحاجة الملحّة لتسريع التحول الرقمى وترسيخ الحوكمة المؤسسية.. ستحدد الإجابة ما إذا كان ما نشهده لحظة نجاح عابرة، أم بداية مسار يعيد رسم موقع مصر على خريطة الطيران الإقليمى والدولى.