رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

دويّ الذاكرة: حكاية "مدفع رمضان" من صدفة السلطان إلى أيقونة الزمان

بوابة الوفد الإلكترونية

على أعتاب الغروب بربوع محافظة المنيا بصعيد مصر المحروسة ، حين يرتدي الأفق ثوباً أرجوانياً ، وتصمت ضوضاء النهار، تشرئبُّ الأعناق وتتجه القلوب قبل الآذان نحو قمم القلاع وسفوح الجبال ، هناك، يقبع "حارس الوقت" مدفع الإفطار ،الرابض في سكونه المهيب، بإنتظار تلك اللحظة التي يكسر فيها صمت الكون بصرخة مدوية، تعلن للأرض أن الصيام قد بلغ منتهاه، وأن مائدة السماء قد فُتحت للصائمين.

 

- ​مَخاض الصدفة في رحاب "خوشقدم"

​تترد الحكايا على “ مصاطب " المنياوية ، أنه  في ليلة قاهرية من ليالي القرن الخامس عشر، تحت ظلال العصر المملوكي ، لم يكن الأمر مرسوماً بقرار سلطاني، بل كانت "المصادفة" هي البطلة والمؤلفة ، كان السلطان "خوشقدم" يختبر مدفعاً جديداً أهداه إليه أحد الولاة، ومع تزامن التجربة مع لحظة غروب أول أيام الشهر الفضيل، انطلقت القذيفة لتمزق سكون الليل.

 

​ظنَّ أهل المحروسة أن السلطان قد استحدث وسيلة نبيلة لإعلامهم بموعد الإفطار، فخرجوا في تظاهرة حب وشكر لأسوار القلعة ، وحين رأت الأميرة "فاطمة"، ابنة السلطان، فرحة الناس بـ "صوت الحق"، استثمرت تلك العاطفة وطلبت من والدها أن يكون هذا الدويّ طقساً يومياً، فامتزج صرير الحديد ببهجة القلوب، ووُلد "مدفع الإفطار" من رحم المفاجأة.

 

- ​مدفع الأميرة: حين يتعانق الكرم والبارود

​تتعدد الروايات، ويأخذنا قطار التاريخ إلى القرن التاسع عشر، في عهد الخديوي إسماعيل ، تهمس الذاكرة الشعبية بقصة أخرى لمدفعٍ انطلق خطأً أثناء تنظيفه في ساعة المغرب ، وبذات السيناريو القديم، ظنه الناس "إشارة ملكية"، وهنا برز دور الأميرة فاطمة إسماعيل، تلك السيدة التي عُرفت بسخائها وتبرعها بجواهرها وأرضها لبناء جامعة القاهرة.

 

​لقد قررت الأميرة أن يظل هذا الصوت رفيقاً للمصريين، فنُصب فوق جبل المقطم ليمتد صداه إلى أبعد نقطة في القاهرة. ومنذ تلك اللحظة، ارتبط اسم المدفع بـ "الأميرة فاطمة"، ليتحول من آلة للحرب والدمار إلى "ناقوسٍ" ينشر الطمأنينة ويدعو الناس إلى مائدة المحبة.

 

-​ارتحال الصوت.. من القاهرة إلى أقاصي بلاد المسلمين

​لم تلبث هذه العادة أن شدّت رحالها من فوق مآذن القاهرة لتجوب حواضر العالم الإسلامي ، فإستقبلتها دمشق العريقة، واحتضنتها جبال الحجاز، وتلقفتها مدن المغرب العربي وآسيا الوسطى.

​في مكة والمدينة، صار لمدفع الإفطار هيبة تتناسب مع قدسية المكان، وفي دبي والرياض، تحول إلى احتفالية تراثية تُنقل عبر الشاشات، لتؤكد أن هذه الأداة الحربية القديمة قد خضعت لعملية "تهذيب إنساني"، فباتت وظيفتها هي الجمع لا التفرق، والبشارة لا النذارة.

 

- ​انحسار الجسد وخلود الروح

​مع تعاقب العقود، ودخول عصر الرقمنة والذكاء الإصطناعي، توقف المدفع عن كونه ضرورة تقنية لمعرفة الوقت ، خفتت أصوات المدافع الحقيقية فوق القلاع التاريخية ، خوفاً على أحجارها العتيقة من الإهتزاز، واستُبدلت بالتسجيلات الصوتية عبر الإذاعة والتلفاز.

 

​إلا أن "مدفع رمضان" رفض أن يتقاعد؛ لقد تحول من أداة إلى رمز ، إن الصوت الذي نسمعه اليوم ليس مجرد انفجار لبارود، بل هو "كلمة سر" تفتح أبواب الذكريات، وتستدعي صور الأجداد وهم يتحلقون حول الموائد البسيطة، وصيحات الأطفال وهم يركضون نحو الشرفات بإنتظار الدخان المتصاعد من القلعة.

 

- ​الخاتمة: حكاية لن يطويها النسيان

​سيظل مدفع رمضان لمسلمي المنيا ، هو "المايسترو" الذي يضبط إيقاع الشهر الكريم ، هو الشاهد الصادق على عبق التاريخ المصري، والرسول الذي يحمل في طياته قيم التكافل والمشاركة ، فرغم تغير الوسائل من "بارود" إلى "تطبيقات ذكية"، يبقى لصدى المدفع رنين خاص في الوجدان، يخبرنا كل يوم بلسان الحال: "هنا رمضان.. هنا التاريخ.. هنا تجتمع القلوب".