باحثة بالإفتاء: ثقافة الترند غيرت علاقة الناس بالأخبار.. التفاعل على حساب الحقيقة
قالت الدكتورة هبة صلاح، الباحثة والمترجمة بدار الإفتاء المصرية، إن جيل الصحافة الورقية تربّى على عبارات شكّلت وجدانه ووعيه الجمعي، مثل «اقرأ الحادثة» و«النتيجة ظهرت» و«سمعت آخر خبر»، وهي تعبيرات لم تكن مجرد كلمات، بل لحظات إنسانية ومشاعر مشتركة عاشها الناس بكل حماس، وارتبطت بذكريات لا تُنسى، إلا أن هذه العبارات والمشاعر اختفت تقريبًا من حياتنا المعاصرة.
وأوضحت خلال حلقة برنامج "مشروب دافي"، المذاع على قناة الناس، اليوم السبت، أن التحول الجذري بدأ مع الانتقال من الصحافة الورقية إلى الصحافة الرقمية، وهي نقطة مفصلية غيّرت طريقة تفاعل الناس مع الأخبار، حيث ظهر مفهوم توجيه الرأي العام، والجري وراء خبر أو حادث معين، دون اعتبار كافٍ لمدى صحته، بقدر ما يهم ألا يفوت أحد «الترند»، مؤكدة أن السباق أصبح على التفاعل لا على الحقيقة.
وبيّنت أن مصطلح «ترند» في الأصل لفظ أجنبي غير عربي، مأخوذ من اللغة الإنجليزية، وتم تعريبه مع انتشار مواقع التواصل الاجتماعي، وهو في جذوره مصطلح اقتصادي يرتبط بحركة الأسعار صعودًا وهبوطًا، لكنه انتقل إلى المجال الرقمي ليعبر عن أكثر الموضوعات تحقيقًا للتفاعل، أو ما يُعرف بالـ«ريتش»، وهو العنصر الحاكم لصناعة الترند، ومنه ظهرت تعبيرات مثل «ريتش عالي» و«ريتش قليل» بمعنى زيادة أو قلة التفاعل.
وأضافت أن عمر الترند غالبًا ما يكون قصيرًا، ويتراوح من ثلاثة أيام إلى أسبوع، أو إلى أن يظهر ترند جديد يغطي على الحدث السابق، وقد يكون الترند مرتبطًا بخبر عالمي، أو محلي، أو حتى بواقعة تخص مجموعة محدودة في منطقة معينة، لكن القاسم المشترك أن الجميع يشارك، مؤكدة أن أخطر ما في ثقافة الترند هو خلق حالة سباق جماعي، حيث يركض الجميع دون معرفة وجهة هذا السباق أو عواقبه.
وأشارت إلى أن الترند، رغم سلبياته، له جوانب إيجابية لا يمكن إنكارها، فقد ساهم في تحريك قضايا كانت عالقة لسنوات، وعلى رأسها قضايا المرأة، مثل التحرش، وختان الإناث، وزواج القاصرات، والعنف ضد النساء، وضرب الزوجات، وتعيين المرأة في القضاء، موضحة أن هذه القضايا نجح الترند في لفت الانتباه إليها وتحريك الرأي العام وصناع القرار لحسمها.
وأكدت أن ارتباط كثير من هذه القضايا بالمرأة يعود لأسباب اجتماعية معقدة، وهو ما يفرض وعيًا أكبر عند التفاعل مع القضايا المطروحة، مشيرة إلى أن السؤال الحقيقي ليس: هل نشارك في الترند أم لا؟ بل كيف نشارك، فالمشاركة حق مكفول، لكن الميزان الأخلاقي والديني يقول: «فليقل خيرًا أو ليصمت».
وشددت على أهمية الحفاظ على الوقت والطاقة، لأنهما من أثمن ما يملك الإنسان، مستشهدة بالمثل الشعبي: «الباب اللي يجي لك منه الريح سده واستريح»، داعية إلى وعي أعمق قبل الانخراط في سباق الترند، حتى لا نكون جزءًا من ضجيج بلا أثر.






