«عفي عليها الزمان»..
الإهمال يضرب جمعية صيادي البرلس.. والصيادين بين سندان الماضي ومطرقة الحاضر
في قلب مدينة برج البرلس بمحافظة كفر الشيخ، والتي تُصنف كأكبر تجمع للصيادين في الشرق الأوسط، تقبع “جمعية صيادي الأسماك”، هذه المؤسسة التي تمتلك ثاني أكبر جمعية عمومية في مصر، حيث تضم 6000 عضو عامل من أصحاب الرخص وأكثر من 30 ألف عضو منتسب، تحولت في عام 2026 من كيان نقابي يحمي حقوق "شقيانين البحر" إلى مجرد "دكان" لبيع الأدوات، يدار بعقليات تجاوزها الزمن.
مجلس الإدارة.. غياب التعليم وحضور "السبوبة"
المفارقة الصادمة تبدأ من طاولة اجتماعات مجلس الإدارة، ففي الوقت الذي يتحدث فيه العالم عن الرقمنة والاقتصاد الأزرق، يغرق مجلس إدارة هذه الجمعية العملاقة في الأمية؛ حيث لا يحمل أعضاؤه حتى شهادة "محو الأمية".
وتؤكد الشهادات من داخل أروقة الجمعية أن المشهد داخل المجلس ليس إلا "مسرحية كومبارس" بطلها ثلاثة أشخاص فقط هم المحركون الفعليون لكل الخيوط والمصالح، بينما يكتفي البقية بدور المتفرج أو "البصيم"، مما أفقد الجمعية دورها الرقابي والخدمي لصالح أجندات ضيقة.
المبنى والمقر: جباية إيجارات لا رعاية صيادين
أما عن مقر الجمعية، الذي كان من المفترض أن يكون منارة للصيادين ومركزًا لحل مشكلاتهم، فقد تحول في نظر القائمين عليه إلى "أصل عقاري" للاستثمار فقط، وكل ما يشغل بال الإدارة هو تحصيل الإيجارات من المحلات والوحدات التابعة للجمعية، بينما يفتقر الصياد البسيط لأي خدمات حقيقية داخل هذا المبنى.
لقد تحول الدور الخدمي للجمعية إلى "نشاط تجاري بحت"، حيث تعمل الجمعية كتاجر تجزئة يبيع أدوات الصيد (الشباك والسنارات) للصيادين بأسعار السوق العادية، دون تقديم أي ميزة تنافسية أو دعم يذكر، مما جعل الصياد يتساءل: "ما الفائدة من عضويتي في أكبر جمعية في الشرق الأوسط إذا كنت أعامل كزبون غريب ؟".
بحيرة البرلس: الكلام في "الكهرباء" والسكوت عند "البوغاز"
تتجلى قمة المأساة في "انتقائية" النقد والمطالبة بالحقوق، فعندما يتحدث أعضاء الجمعية ومجلسها، يرفعون أصواتهم بالشكوى من انقطاع الكهرباء أو المخالفات البسيطة في قلب البحيرة، لكن عندما يصل الأمر إلى "البوغاز" (شريان الحياة للبحيرة ومنفذها للصيد الحر)، يحل الصمت المطبق.
الصمت تجاه مشكلات البوغاز ليس عفويًا، بل هو صمت “المصلحة”، فالبوغاز هو منطقة "السبوبة" الكبرى، وهو السبب الرئيسي الذي يدفع الكثيرين للترشح لعضوية المجلس، هناك تُنسج التفاهمات، وتُقسّم الغنائم، وتُحفظ المصالح التي قد تتضرر إذا ما فُتحت ملفات التطوير الحقيقي أو الرقابة الصارمة.
واقع الصيادين: بين سندان المخالفات ومطرقة التهميش
بينما ينشغل "الثلاثة الكبار" بإدارة الدكان وتحصيل الإيجارات، يواجه آلاف الصيادين في البرلس مخاطر يومية وتحديات وجودية، فالبحيرة تعاني من تعديات جسيمة، والصياد الصغير يجد نفسه محاصرًا بين قوانين لا ترحمه ومجلس إدارة لا يمثله إلا في الأوراق الرسمية.
إن الفجوة بين حجم الجمعية العمومية (36 ألف عضو) وبين أداء مجلس إدارتها تعكس أزمة ثقة عميقة، فالصياد الذي يقضي ليله في البحر لا يجد في جمعيته "ظهرًا" يحميه، بل يجد كيانًا يقتات على رسومه واشتراكاته ليمنح الشرعية لمجموعة تبحث عن الوجاهة الاجتماعية والمكاسب المادية.
صرخة لتطهير "مملكة الصمت"
إن الوضع في جمعية صيادي البرلس عام 2026 لم يعد يحتمل الصمت، إنها دعوة للجهات الرقابية ووزارة التضامن الاجتماعي للتدخل لإعادة تقييم هذا الكيان، لا يعقل أن تُدار مقدرات 30 ألف أسرة بعقلية "الدكان"، ولا يمكن القبول بأن يظل "البوغاز" منطقة محرمة على النقد لأنها "منبع السبوبة".
برج البرلس تستحق تمثيلًا يليق بمكانتها كقلعة للصيد، والصياد المصري يستحق جمعية تكون حصنًا له، لا تاجرًا يتربح من عرق جبينه.









