أقلام على الطريق تكتبه : نهلة النمر
الكتابة كنجاة أخيرة عند سيد الفرماوي
في مسار بعض الكتّاب، لا تبدأ الكتابة كحلم، بل كملاذ. هكذا تبدو تجربة الكاتب سيد جلال الفرماوى، التي نشأت من شعور عميق بالوحدة، وانفتحت على الكتابة بوصفها فعل نجاة قبل أن تكون مشروع نشر. فى تلك اللحظة، حين لم يجد ملجأ إلا الله، جاءت الكلمة كمساحة آمنة، وبدأت الرحلة.
لم يكن دخوله إلى عالم الكتابة عبر الأدب مباشرة، بل من باب المهنة. كتابه الأول ارتبط بمجال عمله في صناعة الدواء، وهناك اكتشف أن البحث فى المراجع، والإنصات للخبرات، لا يضيف معرفة فحسب، بل يوقظ أسئلة جديدة، ويمنح الروح طاقة مختلفة. الكتابة، في هذه المرحلة، لم تكن تعبيرًا، بل اكتشافًا، وطريقة لفهم ما لم يكن مرئيًا من قبل.
اليوم، يرى " الفرماوى" أن كتابه "مغامرات وأسرار الكبسجي" هو العمل الذى يمثله أكثر من غيره. كتاب مهنى من أرض الواقع، استغرق العمل عليه قرابة عشر سنوات، ومن المنتظر صدوره فى معرض الكتاب هذا العام، ليُعد الأول من نوعه في مجاله. وفى موازاة ذلك، يستعد لتقديم روايته "من القاتل" التى يراهن عليها كإحدى أجرأ روايات الجريمة، فى انتقال واعٍ من الكتابة المتخصصة إلى السرد الروائى.
وحين يتحدث عن صعوبة الرحلة، لا يضع النشر أو مواجهة القارئ فى الصدارة، بل يضع "صدق الكلمة" واختيار الموضوع. فالكتابة، فى نظره، ممتعة وشاقة فى آن واحد، أما القارئ، فيسهل اللقاء به حين تكون النصوص واقعية، غير متصنعة، ولا تدّعي ما لا تحتمل.
بعد النشر، تغيّر معنى الكتابة لديه. لم يعد يكتب فقط لينجو من ثقل أفكاره، بل صار يكتب "القارئ الشريك"؛ ذلك الشخص المجهول الذى قد يعثر فى سطر ما على ألفة مفقودة، أو يكتشف أن ألمه ليس فرديًا. الكتابة هنا تتحول إلى جسر بين عزلة الكاتب وعزلة القارئ.
تشكلت ذائقة الفرماوى من مكتبة والده القديمة، ومن الحكايات العائلية، والوجوه العابرة التى لا يلتفت إليها أحد. تأثر بكتّاب الهامش، وبالصدق الجارح أكثر من البلاغة المصقولة. أما الدرس الخفى فى تجربة النشر، فكان إدراك أن النشر فعل انفصال؛ فالنص، بمجرد صدوره، يصبح ملكًا للقارئ.
مشروعه القادم، "الأخسرين أعمالًا"، يراه نصًا أكثر جرأة وتجريبًا، أقرب إلى فوضى الحياة وعمقها، ورهانًا صريحًا على الصدق قبل أي شيء آخر