بين السطور
هالنى المنظر المفزع الذى شاهدته صباحا لفيديو متداول عبر الفيس بوك لمجموعات من الشباب تهرول على أسفلت طريق عام بمنطقة نائية بالجيزة، وأصبت بحالة من الوجوم والهلع أخذت أفرك عينى وأحملق ما هذه المجموعات، خاصة أننى وجدت أحدهم يرتدى بدلة حمراء، فأعاد ذلك المشهد على ذهنى هروب المساجين من السجون منذ عدة سنوات «أيام الله لا يعيدها». وعلى الرغم من أن هروب هذه المجموعات كان جماعيا لكنهم كانوا يسيرون فرادى دون أن يحمل أى منهم شىء حتى فى أيديهم وكان واضحا من المنظر العام أنهم لا يحملون حتى أوراق تثبت هويتهم، وكانت تلك المجموعات تسير أو تجرى بشكل غير منظم ومنهم من يسير مهرولا، وظللت فى حيرة من المنظر إلى أن خرج صوت من يقوم بالتصوير وهو يستغيث ويقول نصا «يا جدعان الناس دى أعداد كثيرة وهربانة من مصحة للمدمنين» وقمت بالاستفسار بطريقتى الصحفية لأجد أن اللايف حقيقة وأنهم هربوا من مصحتهم، لتبدأ كل الأجهزة فى إجراءاتها تجاه الواقعة. ولكن كشفت تلك الواقعة من خلال متابعتى عن حقائق مفجعة، وهى أن ما يطلقون عليها مصحة لعلاج المدمنين لم تكن مرخصة وبالتالى فهى خارج الرقابة والسيطرة، وتبين أن المكان لا يتسع لهذه الأعداد التى ذكر أنهم 200 نزيلا، وتبين من الصور والفيديوهات أن المكان لا يصلح لأى كائن حى وأن أرضيته كلها مملوءة بملابس قديمة مهلهلة ورثة ملقاة على الأرض وتملأ المكان، والمراتب بدون أسرة على الأرض ومعظمها مبقورة، وكان واضحا من فيديوهات كثيرة أنهم كانوا يعيشون فى هذا المكان الذى لا يصلح لأى شىء. كما كشفت هذه الواقعة التى أراد الله لها أن تنكشف بهروب المرضى منها أيا كانوا مدمنين أو نفسيين. أن التحرك من قبل تفتيش الوزارة جاء بعد هروب المرضى والذى شاء القدر، أن ينقذهم وتم تصويرهم بالمصادفة قدرا. فقد جاءت التصريحات الأولية عقب التداول السريع لهذا الفيديو والذى تضمن أن وزارة الصحة والسكان تفحص حاليا الفيديو المتداول على منصات التواصل الاجتماعى عن هروب جماعى لعدد من النزلاء للصحة النفسية وعلاج الإدمان وأنه جار ِالآن التحقيق فيما هو متداول فى الفيديو وتحديد هل المصحة المثار حولها الفيديو حاصلة على ترخيص رسمى من الصحة والأمانة العامة للصحة النفسية أم غير مرخصة، وسيتم إصدار قرار وفقا لذلك. وهنا أقول مقولة الفنان يوسف وهبى يا للهول، أين التفتيش الدورى على تلك الأماكن؟، لكن تبين أنه لم يجرى لهم أى تفتيش أصلا، وأن المكان الذى يعج بهؤلاء المرضى بعيدا عن أعين الرقابة الطبية تماما، وعلى الرغم من أن هذه المصحة الوهمية تتقاضى آلاف الجنيهات من أهالى هؤلاء الشباب ولا يطعموهم إلا بالكاد، حسبما قال بعضهم لحظة هروبهم من الجحيم، وناهيك عن ذلك فقد جاء تصريح لاحق ليعلن المسئول فى تصريحات أن هذه المصحة غير مرخصة وهذا جزء من التصريح ليؤكد أنه تنفيذا لسياسات الرقابة الصارمة على المنشآت الطبية أن المنشأة غير مرخصة، وتمارس نشاطًا غير قانونى يُعد انتحالًا لصفة منشأة طبية، وتبين ذلك من المتابعة التى أجرتها لجان التفتيش التابعة للإدارة المركزية للمنشآت الطبية غير الحكومية، وأنه تبين المنشأة غير مرخصة، وذلك مخالفًا لأحكام قانون المنشآت الطبية غير الحكومية رقم 51 لسنة 1981 المعدل، وقانون الصحة النفسية رقم 71 لسنة 2009. وهنا يتم التساؤل أن هذه المصحة قائمة منذ سنوات فماذا فعلت بالمرضى السابقين فى غيبة كل الرقابة بكافة انواعها؟. وهل دور التفتيش يأتى بعد وقوع الكارثة أم أن التفتيش يكون قبل ذلك خاصة على هذه المصحات الوهمية رغم انها تعمل منذ عدة سنوات، وأين كان التفتيش قبل ذلك؟، أليس هناك تفتيش للتحقق من التراخيص أو يتم الغلق فى عدم وجوده بل وهناك تفتيش دورى. لماذا لا نتحرك إلا بعد الكارثة؟. وماذا لو لم تكن وثقت هذه الواقعة وقت حدوثها إذن فمن كان يعلم بكل هذه المصائب لولا أن تم تصويرهم مصادفة؟، وماذا كان مصير هؤلاء الهاربين وماذا سيفعلون بمن يقابلهم وكيف كان حالهم أثناء التعامل معهم داخل المصحة الوهمية والغير طبية؟، وما نوع الأدوية التى كانوا يجبروا المرض على أخذها؟، وما هذه الحالة القذرة والرثة التى كان عليها المكان فور هروب المرضى وهو أقل من أن يكون شفخانة؟.