رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

أستراليا تقود العالم بقوانين تقييد السوشيال ميديا للأطفال

بوابة الوفد الإلكترونية

 في خطوة لافتة تعكس تحوّلًا في طريقة تعامل الدول مع تأثيرات التكنولوجيا على المجتمعات، دخلت أستراليا مع نهاية ديسمبر الماضي مرحلة جديدة من تنظيم الفضاء الرقمي، بعد تطبيق سياسة غير مسبوقة تقيّد استخدام مواقع التواصل الاجتماعي للأطفال دون سن 16 عامًا. 

 ورغم أن هذه الخطوة قد تبدو للبعض مجرد إجراء اجتماعي أو تربوي، فإنها في جوهرها تعكس طموحًا سياسيًا أوسع، ورغبة أسترالية واضحة في لعب دور «القوة المتوسطة المبدعة» على الساحة الدولية.

 لطالما وجدت أستراليا نفسها ممزقة بين نزعتين متناقضتين: الأولى سعيها لتقديم نموذج عالمي إيجابي، عبر تصدير أفكار وتشريعات قادرة على التأثير في النظام الدولي، والثانية شعور متجذّر بعدم الثقة في قدرتها على العمل كدولة مستقلة وفاعلة بعيدًا عن القوى الكبرى. التشريع الجديد الخاص بتنظيم استخدام الأطفال لوسائل التواصل الاجتماعي يأتي كمحاولة عملية للجمع بين هذين المسارين: تعزيز الثقة الداخلية، وفي الوقت نفسه تقديم نموذج عالمي قابل للتبني.

 القانون الأسترالي لا يحظر مواقع التواصل الاجتماعي بشكل مباشر، ولا يجرّم وجود الأطفال على الإنترنت، لكنه يستهدف جوهر العلاقة بين شركات التكنولوجيا والقصّر، من خلال منع إنشاء حسابات للأطفال دون 16 عامًا. الهدف هنا ليس تحقيق رقابة مثالية أو منع كامل، إذ تدرك الحكومة أن كثيرًا من المراهقين سيجدون طرقًا للتحايل، بل تقليص التأثير الخوارزمي الذي تبنيه هذه المنصات على عقول صغيرة ما زالت في طور التشكّل.

 هذه الخطوة لم تمر مرور الكرام عالميًا، فبعد إعلان أستراليا، بدأت دول مثل ماليزيا ونيوزيلندا وعدة دول أوروبية دراسة تشريعات مشابهة، فيما أقرت ثماني ولايات أمريكية بالفعل قوانين متفاوتة لتقييد استخدام القاصرين لمنصات التواصل. هذا التوجه يعكس إدراكًا متزايدًا لطبيعة الخوارزميات التي تفضّل المحتوى المثير للانقسام، وتدفع المستخدمين – صغارًا وكبارًا – نحو أنماط سلوكية قد تكون ضارة نفسيًا واجتماعيًا.

 الدراسات الحديثة تشير بوضوح إلى أن مواقع التواصل الاجتماعي تسهم في زيادة معدلات القلق والاكتئاب وإيذاء النفس، خصوصًا بين الفتيات، نتيجة ثقافة المقارنة المستمرة والسعي وراء صورة مثالية غير واقعية. ولا يقتصر الضرر على الصحة النفسية فحسب، بل يمتد إلى تقويض مهارات أساسية يحتاجها الأطفال في حياتهم الواقعية، مثل حل النزاعات، وبناء العلاقات الاجتماعية، واحترام الاختلاف، وتنمية الخيال والاستقلالية.

 إلى جانب ذلك، تضع هذه المنصات الأطفال في مواجهة مبكرة مع محتوى سياسي وإعلامي معقّد، في عالم تغلب عليه الاستقطابات الحادة والمعلومات المضللة. وفي ظل غياب النضج العاطفي والمعرفي الكافي، يصبح من الصعب على الأطفال تطوير مهارات التفكير النقدي والتمييز بين الحقيقة والدعاية، ما يحول السياسة إلى «لعبة صراعية» بدل كونها مجالًا للنقاش الواعي.

 من هذا المنطلق، ترى الحكومة الأسترالية أن التشريع الجديد هو استثمار طويل الأمد في الاستقرار الاجتماعي والديمقراطي. فشركات التكنولوجيا، وفق هذا المنظور، لا تضع القيم الديمقراطية في مقدمة أولوياتها إذا تعارضت مع زيادة التفاعل والأرباح. وعلى خلفية أحداث هزّت المجتمع الأسترالي مؤخرًا، مثل حادث إطلاق النار في بوندي، باتت مسألة التماسك الاجتماعي أكثر إلحاحًا في النقاش العام، مع إدراك أن التأثيرات السلبية للسوشيال ميديا تمثل أحد عوامل التآكل البطيء لهذا التماسك.

 القوانين الجديدة تنطلق من فكرة بسيطة لكنها عميقة: قدرات الأفراد تتراكم لتصنع قدرات الدول. وإذا لم تنجح أستراليا في إعداد جيل واثق، مرن، متعاون وقادر على التفكير المستقل، فلن تتمكن مستقبلًا من لعب الدور الذي تطمح إليه عالميًا. وفي عالم سبق فيه تطور التكنولوجيا قدرة المجتمعات على استيعاب آثارها، تبدو هذه الخطوة محاولة جادة لتدارك ما فات.

 اليوم، بينما لا تزال دول كثيرة تتردد في مواجهة نفوذ عمالقة التكنولوجيا، تضع أستراليا نفسها في موقع الريادة، مقدمة نموذجًا تشريعيًا يعترف بالمشكلة ويسعى لحلها. وبذلك، لا تستثمر فقط في حماية أطفالها، بل في تعزيز ثقتها بنفسها كدولة قادرة على المبادرة، وصياغة حلول قد تشكل ملامح المستقبل الرقمي عالميًا.