خارج السطر
الحكاية شائقة وذات مغزى، ذكرها الكاتب الفلسطينى الراحل ناصر الدين النشاشيبى، فى كتابه «ماذا جرى فى الشرق الأوسط» الصادر عام 1961.
تقول الحكاية إنه فى الثلاثين من مارس 1949 نجح انقلاب الجنرال حسنى الزعيم، ضد شكرى القوتلى، وتمت السيطرة على كل شىء فى سوريا. ففى ذلك اليوم دخل أحد مرافقى حسنى الزعيم، عليه مبشراً، وقال له: «سيدى. لقد نجح الانقلاب، وأصبحت سوريا كلها فى أيدينا»، فأجابه حسنى الزعيم قائلاً: «يخرب بيتك..شو بدى أعمل فيها؟». فلم يكن حسنى الزعيم يدرك ما يفعله بعد ساعة واحدة من قيام الانقلاب، ولم يكن لديه شعار وطنى واحد ينادى به، ولم يكن لديه تصور أو برنامج عمل، ولم تكن هناك كوادر قادرة على فعل شىء.
وقبل عام، سقط نظام الأسد فى دمشق سقوطاً مروعاً سريعاً، فكتب الصديق المحلل السياسى النابه جمال أبوالحسن مقالاً فى «المصرى اليوم» بتاريخ 9 ديسمبر 2025 بعنوان «استمراره كان كارثة.. وسقوطه معضلة»، قال فيه إن النظام الأسدى ذهب فى لحظات دون أن يجد من يبكى عليه، لأنه جلب للمنطقة بأسرها خسائر وأزمات، كما فعل بشعبه ما لم يفعله نظام سياسى حديث، غير أن فرص بناء المؤسسات المدنية فى سوريا تكاد تكون منعدمة.
تذكرت الحكاية والمقال قبل أيام عندما كنت حاضراً فى ندوة للصديق الكاتب والإعلامى إبراهيم عيسى، إذ سألته إحدى السوريات الحاضرات عن توقعاته لدمشق الآنية ولسوريا الجديدة، فكرر رأياً سبق أن أدلى به بأنه رغم تمنيه كل الخير لسوريا، لكنه يرى أن نظاماً راديكالياً رجعياً مارس القتل والعنف لا يمكن أن يقيم دولة عصرية، ينعم فيها الشعب بالخير والرخاء.
وربما أختلف كباحث تاريخ مع هذا الرأى، إذ قدم لنا الواقع العربى الحديث والقديم على السواء نماذج عديدة لقتلة ومجرمين وسفاحين تقلدوا السلطة، وعمرت أنظمتهم السياسية القمعية عقوداً طويلة، وما نظاما صدام حسين والقذافى عنا ببعيد.
ويبدو أن هناك رهاناً دولياً تقوده الولايات المتحدة، ثم عربياً خليجياً على نجاح تجربة سوريا الشرع، وحسبنا أن نستعيد تصريحات الرئيس ترامب مطلع الشهر الحالى التى دعا فيها إلى مساندة التجربة السورية، وعدم عرقلة الاستقرار والازدهار فيها.
وهذا مفهوم فى إطار التواءمات والصراعات السياسية الكبرى، فالولايات المتحدة يهمها خروج دمشق من الوصاية الروسية، ودول الخليج يهمها تحرر الشام كله من الهيمنة الإيرانية، لكن أصعب ما فى هذا الرهان هو أنه بعد أكثر من عام على وقوع سوريا فى قبضة الشرع، النموذج الأغرب للإسلاميين على مدى تاريخهم، لم تطرح أى رؤية لدولة مدنية عصرية.
وأخطر ما فيه أيضاً، هو أن يكون نجاح التجربة بمثابة تشجيع لتجار الدم وسماسرة الموت، تحت لافتات دينية للسعى إلى استنساخها فى بلاد عربية أخرى، طالما انخدع أهلوها سريعاً بمظاهر التدين الشكلى، وساروا خلفهم نحو الجحيم.
والله أعلم