رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

(خارج السرب)

وجدت قلمى يخط كلمات دون إرادة منى فضلاً وعرفاناً بمن علمنى الحروف؛ كيف أنطقها وأكتبها وكذلك كيف أمسك بالقلم لأشكل من تلك الحروف كلمات، فعبارات ذات معنى، ومن ثم غرس فى نفسى حب القراءة والكتابة والمطالعة.. فتبادر إلى ذهنى العديد من هؤلاء، أعنى مدرسىَّ الأعزاء، فها هى «أبلة نجوى»– أعتقد أن كلمة أبلة قد انقرضت الآن- معلمتى فى الحضانة يطالعنى وجهها البشوش بكل صبر وأناة فى تعليمى كيفية تهجئة الحروف ورسمها بالقلم، وها هو «الشيخ طه» بهيئته المهيبة، أول من علمنى قراءة القرآن فى الكُتاب، وأتذكر أنه أعطانى «بريزة»– بالطبع انقرضت كما انقرض الكثير من العملات- مكافأة لحفظى جزء «عم»، ومنافستى مع زملائى الصغار فى حفظ القرآن، ثم لا ألبث أن أجد وجه أستاذ «عبدالفتاح» بمدرسة أم المؤمنين الابتدائية بنظراته الثاقبة وحديثه الهادئ ولغته العربية الرصينة التى لا تفارق أذنى نبراتها إلى الآن، وقراءته للنصوص العربية وكيف غرس فى نفسى حب المطالعة منذ الصغر، وحثه لى على الذهاب إلى مكتبة المدرسة ومطالعة درر أدب الطفل لكامل الكيلانى ويعقوب الشارونى... إلخ.

ثم يتراءى لى وجه كالبدر كاسمه وهو «أستاذ بدر»، بمدرسة «الترعة الإعدادية» برشاقته المعهودة ونشاطه الدؤوب ورحلاته المدرسية لمعرض الكتاب كل عام، وبين جنبات المعرض؛ أشترى بمصروفى، الذى أمكث أدخره طوال العام لمثل هذا الوقت، القصص والكتب لا سيما «روايات مصرية للجيب» التى كانت حديثة عهد فى ذلك الوقت لألتهم سطورها التهاماً والتى كانت تخص المعرض بعدة أعداد حديثة لم تنشر بالمكتبات بعد وكذلك تنظيم مسابقات المكتبة حول المعارف التى كان يدأب على تنظيمها وكانت تشهد تسابقاً محموماً بيننا كتلاميذ للفوز بجوائزها التى رغم قيمتها الرمزية كانت بالنسبة لنا ذات قيمة عظيمة.

ثم يطوف بمخيلتى وجه صارم ذو شخصية قيادية، صوته ينضح بالحزم والصرامة وهو الأستاذ على إسماعيل، ناظر مدرسة التوفيقية الثانوية بشبرا، الذى تعلمنا على يديه قيمة احترام المعلم والالتزام والسلوكيات الحسنة، فصارت «التوفيقية» آنذاك هى الأولى فى تخريج أوائل الثانوية كل عام وكانت تضم بين جنباتها لفيف من المعلمين الأفاضل أذكر منهم «مستر على» مدرس اللغة الإنجليزية، خفيف الظل، الذى كان يلقب كل تلميذ فى الفصل بلقب مميز وإن كان مضحكاً وكنا آنذاك ننتظر الحصة لما يملؤها من دفء ومودة وكذلك مسيو أحمد نصر، بأناقته المعهودة ولكنته فى نطق الفرنسية، والكثير غيرهما، كل منهم غرس فينا كتلاميذ قيمة من أخلاق أو علم أو أدب. وحفر ملمحاً فى شخصيتنا بقى طوال العمر.

تلك كانت المدرسة، التى كانت تعد بمثابة بيتنا الثانى وهؤلاء كانوا معلمين بحق، كانوا مثل آباء لنا يقومون شخصياتنا ويربون فينا الفضيلة والثقافة وحب العلم والأدب، لذا أجد نفسى الآن أحزن لما وصلت إليه حال مدارسنا، التى خلت من أى قيمة، فلم تعد تؤدى رسالتها المنوطة بها، مع تغول السناتر وحيتان الدروس الخصوصية، فأصبحت بالنسبة للتلميذ مجرد تسجيل حضور وانصراف دون أن يستفيد شيئاً من حضوره المدرسة، وكذلك الأمر بالنسبة للمعلمين الذين أصبحوا مثل موظفى الحكومة بصورتهم النمطية، فما يهم هذا أو ذاك أن يسجل اسمه فى الحضور والانصراف ثم يزوغ لكى يذهب إلى دروسه الخصوصية!! ليغدو الأمر مجرد تجارة، فالتلميذ أصبح رقماً فى الحساب البنكى للمدرس، والمعلم أصبح مجرد رقم فى مجموع التلميذ بلا أى رسالة أو مضمون وتحول الأمر إلى معادلة تجارية مجردة.

ورغم الجهود المبذولة لوضع المعلم فى مكانته اللائقة، من منطلق اليقين بأن دوره- وكذلك المدرسة- يمثل نواة مهمة لتنشئة جيل تتقدم به الدولة- أى دولة- وأن شخصيته ذات تأثير محورى فى تكوين فكر ووجدان الناشئة، ورغم الاهتمام بالبنية التحتية للمدارس والمحاولات الدؤوب للقضاء على آفات التعليم من تغول السناتر وحيتان الدروس الخصوصية، فلا بد من وضع حلول ناجعة لعودة المدرسة لدورها الفعال وألا تكون كل تلك الإجراءات مجرد حبر على ورق مفرغة من مضمونها، فتذهب إلى المدرسة لتفاجأ بالفصول خاوية على عروشها وتجد الطلبة خارج فصولهم «على السلالم وفى الحوش» دون أى تطوير فعلى.

وبعد.. تلك كلمات بسيطة تمثل دعوة لعودة زمن المدرسة الجميل وهى عرفان بالجميل لكل أساتذتى الأفاضل، رحم الله منهم من فارق الحياة وجزى خيراً من ظل منهم حياً لقاء كل حرف علمنى إياه وكل قيمة عظيمة اكتسبتها فى الحياة.