قصة المؤذن الضرير الذي عوتب فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم
تعود قصة المؤذن الضرير إلى الصحابي الجليل عبد الله ابن أم مكتوم -رضي الله عنه- تبرز مكانة الإنسان وكرامته في الإسلام، حتى ولو كان عاجزًا عن البصر، فهذه الحادثة تعلمنا كيف يولي الإسلام اهتمامًا خاصًّا بحقوق المستضعفين والمساواة بين الناس جميعًا.
نشأة المؤذن الضرير ابن أم مكتوم
{عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ * أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ * وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ * أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ} [عبس: ١-٤] ابن أم مكتوم مع أنه قد نزل فيه القرآن عتابًا لرسول الله صلوات الله وسلامه عليه ومع أن الرسول - صلى الله عليه وسلم - كان يستخلفه على المدينة ليصلي بالناس، ومع أن أصحاب السير يعرفون اسم أمه عاتكة، وأنه أسلم بمكة وقدم المدينة مهاجرًا بعد غزوة "بدر" وكثير غير ذلك، لكنهم مع هذا كله يختلفون فى صحة اسمه، فمنهم من يسميه عمرو، ومنهم من يسميه "عبد الله" ويبدو - وهو الأقرب للصواب - أن "عمرو" كان الاسم الذي عرف به في مكة وقبيل هجرته، أما اسم "عبد الله" فهو ما عرفه به أهل المدينة، وأما ابن أم مكتوم، فهى الكنية التي كانت تعرف بها أمه عاتكة، ومن ثم لحقت به فأصبح يعرف بابن أم مكتوم.
وتحكى كتب السيرة أنه ثاني من قدم مهاجرًا إلى المدينة، وكان سابقه إليها أمير الدعاة: مصعب بن عمير، وإذا كنا على يقين أن ذهاب مصعب إلى المدينة كان باختيار الرسول صلوات الله وسلامه عليه ليعهد للدعوة في المدينة ويقرئ القرآن لمن يدخلون في الإسلام، والذي كان له دوره العظيم مع الأنصار فيما انتهى إلى بيعتي العقبة الأولى والثانية، فإن ذهاب ابن أم مكتوم إلى المدينة في إثر مصعب يبدو - فيما أرى - كان برضا الرسول - صلى الله عليه وسلم - إن لم يكن بتوجيه منه، لما توفر في ابن أم مكتوم من حسن الصوت الذي جعله ثاني مؤذني الرسول بعد بلال، ثم إن نزول ابن أم مكتوم عند الهجرة بدار "القراء" من حفظة كتاب الله، يوحي بل ويؤكد اهتمام الرسول ببعثه إلى المدينة ليكون ظهيرًا لمصعب بن عمير في الدور الذي ينهض به، رضي الله عنهما، يؤكد ما سبق ما روي عن "البراء" قوله :أول من قدم علينا من أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مصعب بن عمير وعبد الله بن أم مكتوم، فجعلا يقرئان الناس القرآن، وقد كف بصره وهو صغير، والتعويض الإلهي الذي يمنحه الحق سبحانه لأصحاب هذه الحالة، يقول عنه أنس بن مالك رضي الله عنه حين سأل ابن أم مكتوم وكان عنده: متى ذهب بصرك؟ قال ابن أم مكتوم: وأنا غلام. قال أنس :سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عن رب العزة: «إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ: إِذَا أَخَذْتُ كَرِيمَةَ عَبْدِي لَمْ أَجِدْ لَهُ مِنْهَا جَزَاءً إِلَّا الْجَنَّةَ» [الترمذي (٢٤٠٠)].
وكان بلال وابن أم مكتوم رضي الله عنهما يتعاقبان الأذان عند السحور في رمضان، فيؤذن أحدهما ليتسحر الناس، ثم يؤذن الآخر ليمسكوا عن الطعام والشراب وكان من أمر ابن أم مكتوم أنه يتوقع الفجر فلا يخطئه، يعنى بالبصيرة الملهمة كان يستطيع إدراك حلول الفجر فلا يخطئ فيؤذن في الناس، وفي هذا يقول الرسول صلوات الله وسلامه عليه: «إِنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ، فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ».
المؤذن الضرير ابن أم مكتوم وعتاب الله لرسوله صلى الله عليه وسلم
حدَّث هشام بن عروة عن أبيه قال: وكان من خبره الذي نزل فيه القرآن أن النبي صلوات الله عليه وسلامه كان جالسًا مع رجال من قريش، فيهم عتبة بن ربيعة وناس من وجوه قريش والرسول - صلى الله عليه وسلم - يقول لهم مرغبًا إياهم في الإسلام :أليس حسنًا أن جئت بكذا وكذا؟ فيقولون: بلى... فجاء ابن أم مكتوم والرسول منشغل بهم، فسأله عن شيء فأعرض عنه - صلى الله عليه وسلم - ثم سأله فأعرض عنه وظهر عليه بعض الضيق، فنزل القرآن يقول: {عَبَسَ وَتَوَلَّىٰٓ * أَن جَآءَهُ ٱلۡأَعۡمَىٰ * وَمَا يُدۡرِيكَ لَعَلَّهُۥ يَزَّكَّىٰٓ * أَوۡ يَذَّكَّرُ فَتَنفَعَهُ ٱلذِّكۡرَىٰٓ * أَمَّا مَنِ ٱسۡتَغۡنَىٰ * فَأَنتَ لَهُۥ تَصَدَّىٰ * وَمَا عَلَيۡكَ أَلَّا يَزَّكَّىٰ * وَأَمَّا مَن جَآءَكَ يَسۡعَىٰ * وَهُوَ يَخۡشَىٰ * فَأَنتَ عَنۡهُ تَلَهَّىٰ * كَلَّآ إِنَّهَا تَذۡكِرَةٞ} [عبس: ١-١١].
يقول ابن سعد: [الطبقات (٢/٣٩٢)]: فلما نزلت هذه السورة دعاه الرسول - صلى الله عليه وسلم - فأكرمه واستخلفه على المدينة مرتين.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض