الحكومة تطالب الإعلام بالالتزام والانضباط وهذا مطلب مشروع لا خلاف عليه ، لكن السؤال الذي يفرض نفسه كيف نطالب الصحفي بالدقة ونحن لا نوفر له المعلومة ؟ كيف نطالبه بالمسئولية ونحن نغلق في وجهه أبواب المعرفة؟ القاعدة واضحة منذ نشأة الصحافة ؛ لا صحافة بلا معلومات.
دعونا نتكلم بصراحة وبلا مواربة ، ما يحدث الآن ليس صراعا بين حكومة وصحافة ولا معركة بين سلطة وإعلام، لكنه فراغ خطير اسمه غياب المعلومة ، وحين تغيب المعلومة لا تسأل لماذا انتشرت الشائعة.
المشكلة الحقيقية ليست في الصحافة، بل في غياب إطار تشريعي واضح يضمن حق تداول المعلومات ، الصحفي لا يختلق خبرا ولا يصنع واقعة من فراغ، لكنه حين يُترك دون بيان أو رد أو توضيح يجد نفسه أمام خيارين كلاهما مُر ، إما الصمت وترك الساحة للشائعة أو الاجتهاد في منطقة ملغومة قد تُكلفه الكثير.
تشديد العقوبات ورفع سقف الغرامات لن يقضي على الشائعة ، الشائعة لا تُهزم بالعصا بل بالحقيقة ، ولا تُكسر بالملاحقة بل بالمعلومة السريعة والواضحة ، حين تخرج الدولة لتشرح وتوضح وتضع الوقائع أمام الناس، تسقط الشائعة من تلقاء نفسها ويصبح مروجوها بلا جمهور.
الواقع المؤلم أن كثيرا من الصحفيين اليوم لا يجدون مسئولا يرد ولا جهة تعلن ولا نافذة رسمية تشرح ، طلب المعلومة يتحول إلى رحلة شاقة وفي هذا الفراغ تنمو الروايات البديلة وتنتعش منصات مشبوهة تعرف جيدا كيف تصطاد في الماء العكر .
كان الأجدر أن يسبق أي حديث عن العقوبات إصدار قانون حقيقي لحرية تداول المعلومات ، قانون واضح، محدد، يعرف فيه الصحفي ما له وما عليه، وتعرف فيه الدولة حدود ما يُنشر وما يُحجب ، هكذا تفعل الدول المتقدمة التي نسعى أن نسير في ركابها.
خلاصة القول إذا أردنا إعلاما مسئولا فعلينا أن نمنحه حق الوصول إلى الحقيقة ، وإذا أردنا مواجهة الشائعات فعلينا أن نغلق منابعها لا أن نطارد ظلها ، الدول القوية لا تخاف من المعلومة، والصحافة الوطنية لا تعمل في الظلام ، الطريق واضح والاختيار بيد من يملك القرار ..
حفظ الله مصر من المتربصين بها.