ﻣﺤﻤﻮد اﻟﻬﺒﺎش ﻗﺎضي ﻗﻀﺎة ﻓﻠﺴﻄين ﻟـ»اﻟﻮﻓﺪ«:
ﻣﺼﺮ أﺣﺒﻄﺖ ﻣﺨﻄﻄﺎت اﻟﺘﻬﺠﻴﺮ
أﺳﻠﺤﺔ إﺳﺮاﺋﻴﻞ المﺤﺮﻣﺔ »أذاﺑﺖ« ﻋﻈﺎم ٢٠ ﻓﺮدا ً ﻣﻦ ﻋﺎئلتي في ﻏﺰة
اﻟﻘﺎﻫﺮة ﻗﺎدت ﺟﻬﻮد وﻗ إﻃﻼق اﻟﻨﺎر ﺑﺎﻟﻘﻄﺎع .. واﻟﻘﻀﻴﺔ في ﻋﻤﻖ اﻟﻮﺟﺪان اﻟﻌﺮوبي اﻹﺳﻼمي
فى شهادة حية تجمع بين الوجع الشخصى والتحليل السياسى، أوقفنا الزمن دقائق معدودات، لنسمع شهادة مروعة تحكى تجربته الشخصية، مع أسلحة حديثة «أذابت» أفراداً من عائلته فى غزة.
«الوفد» التقت الدكتور محمود صدقى الهباش، قاضى قضاة فلسطين ومستشار الرئيس للشئون الدينية، على هامش فعاليات مؤتمر الإفتاء الدولى، حيث أكد أن الرؤية المصرية كحجر زاوية وأمل لا غنى عنه، وأن الموقف الحاسم للرئيس السيسى ومصر هو الذى منع «تهجير الفلسطينيين»، وأن مصر هى «الأمل» والقائد لجهود الإغاثة ووقف إطلاق النار.
تحليل قاضى القضاة فى حواره مع «الوفد»، أجاب عن العديد من الأسئلة المهمة فى هذه السطور.
< فى العديد من المؤتمرات العربية والإقليمية والدولية تم التأكيد على رفض استخدام إسرائيل للذكاء الاصطناعى لاستهداف المدنيين فى غزة.. كيف تقيمون هذه التوصيات فى ظل ما يعيشه أهل القطاع؟
<< القضية الفلسطينية، بحكم مكانتها المقدسة والتاريخية فى عمق الوجدان العربى والإسلامى، تبقى القضية الجامعة، أما بالنسبة لاستخدام إسرائيل للذكاء الاصطناعى فى ارتكاب الجرائم، فهى تخترع كل يوم وسائل إجرامية جديدة من أسلحة محرمة دولياً، تقنيات مراقبة وتنصت، ومتفجرات لا يتصور العقل بشاعتها.
وكسر الهباش لحظات صامتة محاولًا أن يستجمع ذكريات مؤلمة، ليستكمل بصوت خافت: سأقول لكم شيئاً شخصياً، لقد قُصف منزلى فى غزة، كان بداخله ما يقارب عشرين فرداً من عائلتى، بينهم أختى وعائلتها وابن عمى، مشيرا إلى أن الصاروخ الذى ضربنا كان من هذه الأسلحة المتطورة، فكان التأثير مرعباً، حيث أذاب الأجساد، ولم نستطع العثور على معظم الجثث، حتى العظام تبدو كما لو أنها تبخرت، لتظهر فقط حفرة عميقة فى الأرض وبقايا أشلاء بسيطة جدا.
هذه التقنيات التى كان من المفترض أن تخدم البشرية، تحولت إلى أدوات لإنتاج الموت بأبشع الصور، كما أن استخدام الذكاء الاصطناعى لاستهداف عائلات بأكملها، أو لاختيار سلاح أكثر تدميراً، هو ذروة الإجرام.
< كيف يمكن مواجهة هذه الاستخدامات التكنولوجية العدوانية، علماً بأن إمكاناتنا التقنية قد لا تكون بنفس مستوى الاحتلال؟
<< يجب أن نسأل أنفسنا السؤال الجوهري: لماذا لا نمتلك نحن هذه التقنيات، ولماذا نبقى دائما فى موقع المستهلك أو الضحية؟.. يجب أن يكون هناك سعى جاد لأمتنا لامتلاك علوم العصر وتطويعها لخدمة أمنها وتطورها.
< كيف ترى الدور والموقف المصرى من القضية الفلسطينية؟
<< مهما قيل عن موقف مصر، فهو قليل.. منذ عام 1948، كل الحروب التى خاضتها مصر كانت من أجل فلسطين: 48، 56، 67، 73، إذ قدمت مصر عشرات آلاف الشهداء والجرحى، وخسرت خسائر فادحة، كلها كانت من أجل فلسطين.
إن دور مصر محورى فى الأزمة الأخيرة، ولولا الموقف «الصارم والحاسم»، وصلابة موقف الرئيس عبدالفتاح السيسى فى منع التهجير، لنجحت إسرائيل فى تهجير الفلسطينيين، كما أن الأرقام تشير بوضوح إلى أن 60% من المساعدات الإنسانية التى تدخل إلى قطاع غزة مصدرها مصر– من الدولة والشعب المصرى والأزهر – فمصر ليست مجرد بوابة لمرور هذه المساعدات بل هى التى قدمتها.
كما أن مصر أيضاً هى التى قادت جهود وقف إطلاق النار، وما تقوم به مصر شيء يفوق مستوى التعبير، ونحن كفلسطينيين نرى فى مصر «الأمل»، لأن فلسطين لن تضيع ما دامت مصر تقف معها.
< على المستوى الاقليمي، هناك من يرى فجوة بين الخطاب العربى الرسمى المؤيد لفلسطين، وبين التحرك الفعلى على الأرض.. هل يشعر الفلسطينيون بهذا الدعم؟
<< نحن نقدر كل دعم، كبيراً كان أم صغيراً، من أى دولة أو شعب عربى.. وكل يقدم بقدر ما يستطيع، ولذلك نحن لا نطالب أحداً بأن يحارب نيابة عنا، فشعبنا صامد وقادر على المقاومة، فقط كل ما نطلبه هو أن يكون العالم العربى ظهيراً وسنداً لنا، بالدعم السياسى والإغاثى والإعلامى.
إن الفلسطينى قادر على البقاء، فالأرض التى ينمو فيها الزعتر والزيتون لا يمكن أن تموت بسهولة.. صمودنا هو رسالتنا للعالم.
< فى ظل مشاركتكم فى الندوة الدولية للإفتاء التى استضافتها مصر، من وجهة نظركم الشرعية والقانونية، ما أبرز المخاطر التى يمثلها الاعتماد غير المنضبط على أدوات الذكاء الاصطناعى فى مجال الإفتاء تحديداً؟
<< الذكاء الاصطناعى، كما هو معلوم، أداة ذات حدين، فى ميادين مثل الزراعة أو الصناعة، يمكن أن تكون فوائده عظيمة، لكن عندما ندخل إلى الميادين الإنسانية والوجدانية، الأمور تحتاج إلى حذر شديد.
لا توجد آلة قادرة على محاكاة وجدان الإنسان أو فهم تعقيدات عقيدته وظروفه النفسية والاجتماعية الكاملة، لذلك فإن استخدام هذه الأدوات فى مجال الفتوى، دون ضوابط حازمة، هو «باب من أبواب الوقوع فى الخطأ».
< ما هذه الضوابط، وأين بالضبط يكمن الخطر؟
<< الخطر الأكبر هو توهم أن الذكاء الاصطناعى يمكن أن «يحل محل المفتي»، فقط يمكن استخدامه كأداة مساعدة فى جمع المعلومات أو تصنيف الأسئلة، لكن أن يسأل الإنسان ويجيب الآلة مباشرة، فهذا «مزلق خطير جداً».
الفتوى ليست مجرد معلومات جامدة؛ فالجزء الجوهرى منها هو «إدراك مقتضى الحال»، أى فهم حالة المستفتى الخاصة، ووزن الظروف المحيطة، وهذا يحتاج إلى بصيرة وتدقيق وقلب يعى، وهذه أمور لا تملكها الآلة، كما أن الفتوى قد تتجاوز الجانب العقلى لتدخل فى الجانب الوجدانى والروحى، وهذا بعيد عن قدرة أى ذكاء اصطناعى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض