رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

شَرْطةٌ مائلة

شهدت مدينة سيدني الأسترالية حادثة إطلاق نار جماعي في شاطئ بوندي أثناء احتفال الجالية اليهودية بعيد الحانوكاه (الأنوار أو التدشين وهو احتفال يهودي يمتد ثمانية أيام لإضاءة الشموع تكريمًا لانتصار الحشمونائيم على اليونانيين عام 164 ق.م وتطهير "الهيكل"، مع رمزية انتصار الأقلية على الأغلبية) مما أسفر عن مقتل 16 شخصًا وإصابة عشرات ، وقد وصفت الشرطة الأسترالية هذا الهجوم بأنه عمل إرهابي موجه ضد الجالية اليهودية، بعد أن فتح رجل وابنه النار على المحتفلين، بينما عُثر في سيارتهما على أعلام ومتفجرات تشير إلى ارتباطات بأيديولوجية تنظيم "الدولة الإسلامية" (داعش) .
وسط الرصاص والفوضى، برزت شجاعة أحمد الأحمد، مسلم الديانة صاحب متجر فواكه، حيث اندفع نحو أحد المهاجمين وتصدّى له، وانتزع منه سلاحه، وأُصيب خلال ذلك بطلقات في يده وذراعه قبل أن يتلقّى العلاج في المستشفى. 
لفت هذا الفعل البطولي أنظار العالم والإعلام الدولي وأشادت به كثير من الأصوات المحلية والدولية، لكن يُظهر تحليل خطابي للسرديات الإعلامية والسياسية الإسرائيلية تجاهلًا واضحًا لهويته كـ"مسلم"، فقد ركّزت من التغطيات الإسرائيلية الرسمية على وصف الحادث كـ"اعتداء معادٍ للسامية" يستهدف اليهود فقط، دون تسليط الضوء على دور أحمد الأحمد كفاعل إنساني متضامن مستقل عن خلفيته الدينية، وهو ما أثار نقاشًا حول الانحياز في السرد السياسي، وهو ما لوحظ في تقارير وسائل الإعلام التي تكرّس التركيز على الضحايا اليهود والمكانة الرمزية للحادث.
سلطت وسائل الإعلام الإسرائيلية الضوء على الحادث في سيدني واعتبرت أحد اليهود المشاركين في الاحتفال بالحادث شخصية بطولية، مع التركيز على شجاعته وتضحيته بنفسه في حماية المحتفلين، بمحاولته نزع سلاح أحد المعتدين، دون الإشارة إلى أي شخصيات أخرى كانت فاعلة في الحدث، وقد استُخدمت هذه الرواية لتعزيز صورة البطل اليهودي وطرحت في وسائل الإعلام والسرد السياسي الإسرائيلي كرمز للشجاعة اليهودية في مواجهة التهديدات الإرهابية.
تُستَغل حالات العنف ضد اليهود لتأكيد رواية التهديدات الوجودية في كل مكان والاستفادة منها في تعزيز مواقف أمنية وسياسية داخلية وخارجية؛ بينما في السياق ذاته، يجري تجاهل وتهميش المعاناة الفلسطينية في غزة في الإعلام والسياسات الرسمية الإسرائيلية بشكل يومي، على الرغم من توثيق منظمات حقوق الإنسان لكثافة الضحايا المدنيين وتكرار وقوع هجمات تُحدث دمارًا واسعًا بين السكان المدنيين، حتى بعد إقرار وقف إطلاق النار في غزة.
يذكّر حادث سيدني بأن العنف والإرهاب هما مشكلتان عالميتان لا تقتصران على دين أو قومية بعينها، وأن الأبطال الحقيقيين غالبًا ما يتجاوزون القوالب الأيديولوجية، ومع ذلك؛ فإن التغطيات السياسية والإعلامية تسعى كثيرًا إلى تأطير الأحداث في سياقات تخدم مصالح روايات قومية أو أيديولوجية محددة، سواء باستغلال حادث ضد اليهود لتعزيز حالة "الخطر الوجودي"، أو بتبرير سياسات أمنية بعيدة عن مساءلة العدالة والحقوق الإنسانية.
يُظِهر حادث إطلاق النار في سيدني كيف تستغل إسرائيل الأحداث الفردية سياسيا وإعلاميا لتأكيد روايات سياسية ودينية يهودية،  بينما جرى تجاهل الدور الإنساني المستقل عن الهوية الدينية، كما هو الحال مع أحمد الأحمد، المسلم الذي تصدى لأحد المهاجمين، يسلط هذا الاختزال في السرد السياسي والإعلامي بإسرائيل الضوء على كيفية تحويل الأحداث إلى رموز تؤيد سياسات أمنية أو تُسهم في تعزيز صورة إسرائيل على المستوى الدولي، مع تجاهل كامل لمعاناة الفلسطينيين في غزة الذين يتعرضون يومًيا لاعتداءات عنيفة لا تجد نفس الاهتمام الإعلامي الرسمي.
تكشف الحادثة كذلك عن التأثير النفسي والاجتماعي للأخبار الإعلامية المختزلة، حيث تُستثمر الرمزية اليهودية التاريخية لعيد الحانوكاه – انتصار الأقلية على الأغلبية وانتصار النور على الظلام – لإعادة تأكيد شعور "الخطر الوجودي" على المستوى المجتمعي اليهودي في أستراليا وخارجها، وهو ما يعكس استمرارية ربط المسألة الإسرائيلية برموز دينية يهودية وتبرير سياسات أمنية وعسكرية، رغم أن البطولة الحقيقية غالبا ما تكون إنسانية وتتجاوز الانتماءات الدينية أو القومية، وهو ما يُغفل عن عمد في تغطيات وسياسات تسعى إلى تأطير الأحداث بما يخدم سرديات محددة.
محمد عبد الدايم هندام، كاتب وشاعر، صحفي حر، أكاديمي، مُحاضر الأدب العبري الحديث والدراسات الإسرائيلية، كلية الآداب، جامعة المنصورة.


[email protected]