كان المشهد أشبه بلحظة من فيلم سياسي مخرجه بارع، رجل في التاسعة والسبعين من عمره، جلس طوال أشهر يصف خصمه بـ"الشيوعي" و"الجهادي"، وآخر في الرابعة والثلاثين يصف خصمه بـ"الفاشي" و"المستبد"، يجلسان الآن في المكتب البيضاوي يتحدثان بود ظاهر، ويهديان العالم صورة نادرة عن اللحظة التي ينتصر فيها العقل على الخصومة.
هذا ما حدث بين دونالد ترامب وزهران ممداني، اللقاء الذي جمع الرجلين لم يكن مجرد صورة عابرة، بل كان درساً في فن البراغماتية السياسية، وأيضا في فن إدارة اللحظات الحرجة. فقد دخل ترامب اللقاء وهو يعرف أن عدوه أصبح الآن شريكاً ضرورياً في إدارة أكبر مدينة أمريكية. ودخله ممداني وهو يدرك أن خصمه لا يزال يمسك بمفاتيح الدعم الفيدرالي الذي تحتاجه مدينته.
لو تمعنا في تفاصيل هذا اللقاء لوجدنا أنه كان أشبه بلعبة شطرنج سياسية محكمة. ترامب بذكاء المحنك، أراد أن يقدم نفسه كرئيس لكل الأمريكيين، حتى أولئك الذين انتخبوا خصمه. كما أراد أن يحافظ على مصالحه العقارية في نيويورك، وأن يكسب ود التيار المعادي لإسرائيل داخل تحالفه. أما ممداني بحنكته المفاجئة، فأراد أن يحيد تهديدات ترامب المحتملة ضد سياسته، وأن يثبت أنه قادر على العمل مع الجميع، حتى مع من يختلف معهم فكرياً.
واللافت أن كليهما نجح في تحقيق مكاسب من هذا اللقاء. فقد خرج ترامب بمظهر الرئيس الواقعي الذي يتجاوز الخلافات، وخرج ممداني بمظهر العمدة القوي الذي يستطيع الجلوس على طاولة ترامب ويسحب منه الاحترام بالقوة.
ما حدث في البيت الأبيض يؤكد حقيقة سياسية؛ وهي أن الخصومة الإعلامية مسموحة، بل ومطلوبة أحياناً في المعارك الانتخابية، لكن حينما تمس مصالح الناس، لا بد للعقلاء أن يلتقوا على كلمة سواء. إنه تجسيد حي لمقولة أوتو فون بسمارك الشهيرة: "السياسة هي فن الممكن، علم نسبي"، أي أن القرارات والإمكانيات السياسية تعتمد على الظروف والعوامل المحيطة ولا تكون مطلقة أو ثابتة.
فالمسارات السياسية التي يسير عليها ترامب توضح أنه ليس هناك عدو دائم، ولا يوجد حليف مستمر .
ففي النهاية، تبقى المصالح هي المحرك الأساسي للعلاقات السياسية، وتبقى البراغماتية هي اللغة التي يتكلمها العقلاء حين تهدأ عواصف المعارك الانتخابية. وكما قال ونستون تشرشل: "السياسة ليست قضية مبادئ فحسب، بل هي قضية توقيت أيضاً. فهناك أوقات يجب فيها أن تضرب العدو، وأوقات يجب فيها أن تصافحه".
ها هما؛ ترامب وممداني قد صافحا بعضيهما، لا لأن العداء بينهما انتهى، بل لأن المصالحة في تلك اللحظة كانت أنفع للطرفين. وهذه هي السياسة في واقع تجلياتها.