للوطن والتاريخ
لم يكن يتوقع أحد المشهد الذي رأيناه جميعا أمام الشاشات بالقبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو داخل بلاده كعملية اختطاف واضحة لرئيس دولة، ثم اقتياده عبر الطائرة، ووسط حراسة أمريكية مشددة إلى الولايات المتحدة الأمريكية تمهيداً لمحاكمته.
ومع الصور المُهينة لرئيس دولة فنزويلا، والمتعمدة من الإدارة الأمريكية أثناء النزول من الطائرة، ندرك الرسالة التي تريدها الولايات المتحدة الأمريكية للجميع حال رفض مطالبها سواء في فنزويلا، أو أي مكان آخر ، ليتباهى الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بما فعله، وتصريحاته بأن ما تفعله أمريكا من الصعب على أي دولة القيام به، بما يخالف كل الأعراف السياسية، وسيادة الدول، والقانون الدولى.
ولعل ما يلفت الانتباه أكثر في هذا الشأن، هو غياب الشعب الفنزويلي عن المشهد الذي يعد إهانة لكل مواطن يعيش على أرض فنزويلا، فليس هناك أي مبرر لهذا الغياب، حتى لو تحدث غالبية الشعب عن مساوئ حكم مادورو، أو جدية التهم الموجه له من عدمه، لأن رغبة الشعب في التغيير لايجب أن تأتي من الخارج بالشكل الذي رأيناه.
ولا يوجد أي مبرر لغياب القوى السياسة أو الشعبية لرفض ما حدث، برغم التصريحات التي خرجت عن اختراق بعض الشخصيات القريبة من الرئيس الفنزويلي، أو الأجهزة المُكلفة بحمايته، أو مؤسسات الدولة التي يعتمد عليها في حُكمه، فلماذا لم يخرج الشعب الفنزويلي في الميادين ليرفض ما حدث، وليؤكد على أن نظام الحكم شأن داخلي، ويستطيع الشعب التغيير بنفسه؟!.
بالتأكيد، نحن لسنا مع مادورو ولا ضده، خاصة أن الجميع لا يملك دلالة واضحة على ذلك، مع العلم أن سيناريو توجيه الاتهامات والمحاكمة للرئيس العراقي الأسبق صدام حسين محفوظة في الذاكرة، وسعى أمريكا للاستيلاء على النفط وخيرات البلاد هدف ثابت برغم تغير الأسماء والتهم والدول المستهدفة.
ولا نقبل أن ترهبنا أمريكا والرئيس ترامب، والإيحاء بالقوة المُفرطة، وهي لم تتمكن حتى الآن من معرفة أماكن اختباء الأسري الإسرائيلين المحتجزين من قبل حركة حماس، ولم تستطع أمريكا ضبط حدودها مع المكسيك حتى الآن، وكان من الأولى أن تثبت أمريكا قدرتها على ضبط حدودها، حتى لو كانت تهم تهريب المخدرات الموجهه لمادورو صحيحة، أو الوصول للمتهمين الحقيقيين المتورطين في أكثر من حادث إرهابي داخل أمريكا على مدار عقود مضت، فلا ترهبونا بما فعلتم.
ولا يقبل أي مواطن غيور على وطنه وسيادة دولته أن يأتي التغيير بهذا الشكل المُهين، حتى لو كان معارضًا ورافضًا لنظام الحكم، وممارسات الحكومة، وأجهزة ومؤسسات الدولة، لأن بقاء الدولة وخيرات البلاد قد ذهبت للمحتل الجديد، ومن يشعر بالفرح تجاه تغيير نظام الحكم بهذا الشكل عليه اليقين بأن "العملية نجحت..والمريض مات"، فلا دولة مستقرة من وراء الغاصبين المغتصبين لسيادة الدول واستقرارها.
خلاصة القول، إن خروج الشعب الفنزويلي من المعادلة لن يكون هينًا، وسيدفع الشعب الفنزويلي الذي لم يرفض التغيير بهذه الصورة المُهينة ثمن ما حدث، باعتباره شريكًا أساسياً في تكريس منطق القوة، واغتصاب سيادة الدولة، وليس كل ما نذكره دفاعاً عن مادورو، بل نؤكد على أن شريعة الغاب لا يجب أن تسود، وإن غداً لناظره قريب، حفظ الله مصر وشعبها وجيشها من كل سوء، وللحديث بقية إن شاء الله.