منذ اللحظة الأولى لانطلاق المرحلة الأولى من الانتخابات البرلمانية، بدا واضحا أن المزاج الشعبي يعيش حالة غليان تحت السطح ، كأن المصريين بكل ما يحملونه من وعي وخبرة وتجارب سابقة قرروا ألا يمر هذا الاستحقاق مرور العابرين، وألا يسمحوا بتكرار ما يمكن أن يجرح كرامتهم أو يمس حقهم الأصيل في اختيار من يمثلهم ، لم يكن المشهد مجرد منافسة بين مرشحين بل كان صراعا بين رغبة شعب يريد انتخابات تُكتب على صفحة نظيفة وبين ممارسات حاول البعض جرها إلى مناطق لا تشبه مصر ولا تاريخها.
ومع تصاعد شكاوى المواطنين وتوثيقهم للتجاوزات تحولت العملية الانتخابية إلى مرآة عكست حجم الوعي المتجذر لدى الناس وأظهرت أن الشعب لم يعد يقبل أن يكون مجرد متفرج ، هنا تحركت الدولة بكل مسؤولية وكان تدخل السيد الرئيس رسالة واضحة بأن هيبة الوطن لا تُمس وأن كرامة المواطن تعلو ولا يعلو عليها وأن صوت المصريين فوق الجميع وأحق أن يُحترم.
ثم جاء قرار الهيئة الوطنية للانتخابات ببطلان النتائج في عدد من الدوائر ليؤكد أن مصر لا تجامل في الحق ولا تغض الطرف عن خطأ، وأن مؤسساتها تعمل بمنطق الدولة التي تحترم نفسها قبل أن تطلب احترام الآخرين لها ، كان القرار بمثابة إعلان صريح بأن الصفحة القديمة قد طُويت وأن مرحلة جديدة تُكتب ، عنوانها المصارحة والعدالة وإعادة الثقة للمواطن.
لقد أثبت المواطن المصري أنه السد الأول في مواجهة أي عبث وأن الدولة حين تستند إلى وعي شعبها تصبح أقوى وأكثر قدرة على التصحيح ، والمطلوب الآن ليس فقط إعادة الانتخابات في دوائر بعينها بل إعادة ترميم الثقة وتأكيد أن إرادة الناخب ليست مساحة متروكة لمن شاء أن يعبث بها، بل حق مصون بقوة الدستور والقانون وروح الوطن.
ما شهدته مصر خلال الأيام الماضية لم يكن أزمة انتخابية بقدر ما كان كشفا لحقيقة أن هذا الشعب لا يساوم على مستقبله وأن الرئيس حين تدخل وضع الأمور في نصابها الصحيح وأن القرارات التي صدرت كانت لحماية الناس قبل حماية الإجراءات واليوم نحن أمام فرصة لإعادة صياغة المسار السياسي على أسس أكثر قوة وشفافية وعلى الجميع أن يدرك أن زمن الصفقات انتهى وأن المرحلة المقبلة تحتاج رجالًا يؤمنون أن المقعد النيابي أمانة في أعناقهم وليس حقا مكتسبا لهم ولذويهم.