رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

شَرْطَةٌ مائلة

في عام 1971 دُشِنت حركة "كاخ" على يد الحاخام المتطرف "مئير كهَنا" الذي قدم إلى إسرائيل في العام نفسه، وكلمة "كاخ" اختصار لـ"كهنا إلى الكنيست"، ورفعت شعار "فقط هكذا"،  وهي حركة يمينية عنصرية، استهدفت إعلان إسرائيل "دولة شريعة يهودية"، وطرد الفلسطينيين من كامل أرضهم، ورفض حقوقهم المدنية والتاريخية، بزعم "عدم وفائهم للدولة اليهودية".
في انتخابات الكنيست الثامن والتاسع والعاشر لم تتجاوز الحركة المتطرفة نسبة الحسم المؤهلة لدخوله، وقبل انتخابات الكنيست الحادية عشر أعلنت اللجنة المركزية للانتخابات شطب الحركة من قائمة الأحزاب المتنافسة، فاستأنفت الحركة أمام المحكمة العليا الإسرائيلية وفازت بحكم أجاز لها التنافس في الانتخابات.
بعد شد وجذب مع المجتمع ولجنة الانتخابات المركزية طيلة 13 عاما، فازت الحركة بمقعد واحد في الكنيست الحادية عشر عام 1984 تقلده مئير كهَنا، ثم في عام  1988 أعلنت لجنة الانتخابات المركزية في إسرائيل شطب الحركة مجددا من قائمة الأحزاب لأن برنامجها عنصري، وفي 5 نوفمبر عام 1990 اغتيل مئير كهنا في نيويورك أثناء إلقائه خطابا في فندق ماريوت بنيويورك على يد شاب مصري من بورسعيد يدعى سيد نصير، وبعد مذبحة الحرم الإبراهيمي بالخليل على يد باروخ جولدشتاين، أحد أفراد الحركة الإرهابية، في مدينة الخليل الفلسطينية فجر يوم الجمعة 25 فبراير 1994، أعلنتها إسرائيل تنظيما إرهابيا.
الفكر الذي حملته كاخ لم ينتهِ، بل أعيد إنتاجه داخل تشكيلات سياسية جديدة، كان أبرزها حزب عوتسما يهوديت (قوة يهودية)، ورئيسه إيتمار بن جفير، الذي احتفل بتوزيع البقلاوة "الحلوى العربية الفلسطينية" داخل الكنيست بعد تمرير قانون الإعدام في القراءة الأولى، هو الابن السياسي المباشر لحركة كاخ الإرهابية، وُلد في القدس عام 1976 لأسرة من أصول عراقية، انقلب في سنوات المراهقة إلى أحضان اليمين الديني المتطرف إبان الانتفاضة الأولى، وانضمّ في سن السادسة عشرة إلى كاخ، وبعد عقود، أعاد إنتاج الأفكار "الكهانية" عبر حزبه، النسخة السياسية من كاخ.
ليس قانون إعدام الفلسطينيين الذي مرّ بالقراءة الأولى في الكنيست مجرد اقتراح تشريعي، بل ورقة انتخابية تُستخدم لتعميق الخطاب الانتقامي، حيث يسمح القانون الذي بادر بتقديمه حزب ايتمار بن جفير بإعدام فلسطينيين في محاكم عسكرية بأغلبية بسيطة وبدون إمكانية تخفيف الحكم لاحقًا، ورغم امتناع بعض أحزاب الائتلاف، فإن كتلاً يمينية واسعة مستعدة لدعمه في القراءات المقبلة، إدراكًا لجدواه الدعائي في مجتمع يميل نحو التطرف.
لم يخفِ بن غفير نفسه أهدافه؛ فقد أعلن أن هذه "البداية فقط"، وأنه سيدفع نحو إقرار القانون خلال الدورة الحالية، ما يحدث يكشف هشاشة النظام السياسي الإسرائيلي وخضوعه لابتزاز القوى الأكثر تطرفًا، التي تستخدم الأسرى والمناضلين الفلسطينيين مادة خامًا في حملاتها.
لا يقل الواقع الحالي خطرًا عن قانون الإعدام، حيث تتوالى التقارير عن تعذيب منهجي داخل السجون، فقد كشف مكتب إعلام الأسرى الفلسطينيين عن تعذيب الأسير عبدالله البرغوثي بصورة تُوصف بأنها "إعدام بطيء"، عبر اقتحام غرفته، وضربه ليلًا ونهارًا، وتركه ينزف دون علاج، كما ظهر بن غفير مؤخرًا في تسجيل مصوّر وهو يقتحم زنزانة أسرى فلسطينيين مقيّدين، مهددًا إياهم بالإعدام، وساخرًا من حرمانهم من أبسط الحقوق، ثم واقعة التسجيل المسرب من قاعدة سديه تيمان، والذي أظهر اغتصاب أسير فلسطيني بآلة حادة على أيدي خمسة ضباط، يكشف طبيعة الممارسات الجارية في الظل. رغم محاولة المؤسسة العسكرية تصوير الواقعة كحادث فردي، إلا أن شهادات من داخل القاعدة ومنظمات حقوقية دولية –من بينها هيومن رايتس ووتش والعفو الدولية وبتسيلم– تؤكد أن التعذيب منظومة إسرائيلية راسخة.
بين "كاخ" الأمس و"عوتسما يهوديت" اليوم خيط واحد ممتد، تطرفٌ يُشرعن العنف الإسرائيلي، ويحوّل الفلسطيني الأسير إلى هدف سياسي، ويدفع إسرائيل نحو مزيد من الفاشية المقننة، وما قانون الإعدام إلا حلقة جديدة في مسلسل طويل، تُكتب فصوله في غرف التحقيق، وفي السجون، وفي القواعد العسكرية المغلقة، وفي الكنيست، فيما تستمر إسرائيل في حرب الإبادة ضد الفلسطينيين بغزة، وشرعنة بربرية المستوطنين في الضفة الغربية، هكذا تؤصل إسرائيل إرث كاخ وتواصل العمل بالإرهاب، وينفتح الباب واسعًا أمام فاشية بلا سقف.

 

محمد عبد الدايم هندام، كاتب وشاعر، صحفي حر، أكاديمي، مُحاضر الأدب العبري الحديث والدراسات الإسرائيلية، كلية الآداب، جامعة المنصورة.

 


[email protected]