رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

شكّل أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية علامة فارقة لا باعتباره أزمة مالية عابرة، بل باعتباره لحظة انكشاف سياسي عميق هزّ صورة القوة العظمى أمام العالم، وكشف هشاشة منظومتها الديمقراطية التي لطالما تباهت بها واشنطن. امتدّ الإغلاق ليصبح الأطول على الإطلاق، وترك وراءه دولة مشلولة، وموظفين اتحاديين بلا رواتب، ومطارات تعمل بنصف طاقتها، ومؤسسات شللها الصراع الحزبي حتى باتت عاجزة عن اتخاذ أبسط القرارات التنفيذية.

جوهر الأزمة لم يكن في المال، فاقتصاد بحجم الولايات المتحدة لا يعجز عن تمويل جهازه الإداري. المشكلة كانت في عناد سياسي، ومزايدات حزبية، ورغبة كل طرف في تسجيل نقطة على الآخر مهما كان الثمن. واشنطن بدت وكأنها رهينة مزاج سياسي مضطرب، ومؤسساتها التنفيذية تحولت إلى أوراق مساومة في معركة كلامية مفتوحة بين البيت الأبيض والكونغرس. الإغلاق كشف أن "الاستعراض" بات أهم من الحكم الرشيد، وأن النخبة السياسية مستعدة للتضحية بملايين المواطنين لتكريس خطابها الانتخابي.

الآثار الاقتصادية جاءت فورية وقاسية: عشرات الآلاف من الموظفين الاتحاديين لم يتقاضوا رواتبهم، والخدمات الأساسية تدهورت، من أمن المطارات إلى النظام القضائي إلى الحدائق الوطنية. علاوة على ذلك، تكبدت الشركات المتعاقدة مع الحكومة خسائر بمليارات الدولارات.
حيث تشير التقديرات إلى أن الإغلاق كلّف الاقتصاد الأميركي أكثر مما كان سيربحه أيٌّ من الطرفين سياسياً. ومع ذلك استمر الصراع لأن حسابات القوة داخل واشنطن باتت أهم من حسابات الدولة.

الأخطر هو ما كشفه الإغلاق عن تآكل مكانة الولايات المتحدة الدولية. في لحظة يتصارع فيها العالم على النفوذ، ظهرت واشنطن كدولة غارقة في خلافات داخلية تمنعها من دفع رواتب موظفيها. خصومها استخدموا الإغلاق كدليل على التراجع البنيوي للقوة الأميركية، بينما وقف الحلفاء مذهولين أمام دولة تتعطل مؤسساتها بسبب جدل حزبي لا ينتهي. الرسالة كانت واضحة: العالم لا يمكنه الاعتماد على واشنطن عندما تصبح أسيرة الانقسام.

الإغلاق، بامتداده التاريخي، لم يكن مجرد تعطيل للمؤسسات، بل لحظة انهيار رمزي لإحدى أهم ركائز "النموذج الأميركي". لقد أثبت أن الدولة الأقوى في العالم يمكن أن تتوقف، ليس بسبب حرب أو كارثة، بل بسبب حسابات انتخابية ضيقة. وانتهت الأزمة ليس لأن العقل السياسي انتصر، بل لأن ضغط الشارع والخسائر الاقتصادية بلغت حداً لم يعد يمكن تجاهله.

وهكذا، يبقى أطول إغلاق حكومي في تاريخ الولايات المتحدة درساً قاسياً: قوة واشنطن لا تهددها القوى الخارجية بقدر ما يهددها العمق الداخلي حين يصبح الحكم لعبة مساومات لا دولة مؤسسات.