بعد 43 يومًا
انتهاء أطول إغلاق حكومى فى الولايات المتحدة .. والانقسامات تهدد بتكراره
تستعد الحكومة الأمريكية لاستئناف عملها بعد أطول إغلاق حكومى فى تاريخ البلاد، استمر 43 يومًا وأدى إلى شلل واسع فى قطاعات حيوية، شمل تعطيل حركة الطيران، وخفض المساعدات الغذائية لملايين الأمريكيين من ذوى الدخل المنخفض، وحرمان أكثر من مليون موظف فيدرالى من رواتبهم لأكثر من شهر.
ورغم انتهاء الأزمة مؤقتًا، فإن الانقسامات السياسية العميقة التى تسببت فى الإغلاق لا تزال قائمة، ما يثير مخاوف من تكرار المشهد نفسه مطلع العام المقبل، حيث إن اتفاق التمويل الجديد يمدد عمل الحكومة حتى الثلاثين من يناير فقط.
الاتفاق، الذى مرره الكونجرس بعد مفاوضات مرهقة، لا يتضمن قيودًا كبيرة على صلاحيات الرئيس الجمهورى دونالد ترامب فى حجب الإنفاق، رغم اعتراضات واسعة على ميل إدارته لتحدى السلطة الدستورية للكونجرس فى هذا المجال. كما لم يُدرج فيه أى التزام بتمديد دعم الرعاية الصحية الذى كان السبب المباشر لبدء الإغلاق من قبل الديمقراطيين فى مجلس الشيوخ.
الإغلاق الأخير كشف انقسامًا متزايدًا داخل الحزب الديمقراطى نفسه، بين جناحه الليبرالى الذى طالب بموقف صارم ضد سياسات ترامب، والمعتدلين الذين شعروا بأن خياراتهم محدودة فى ظل سيطرة الجمهوريين على مجلسى الكونغرس. وتزايدت الضغوط على زعيم الديمقراطيين فى مجلس الشيوخ تشاك شومر، حتى وصلت إلى مطالبات باستقالته، رغم أنه صوت ضد الاتفاق.
وفى استطلاع للرأى أجرته رويترز وإبسوس، أمس، انقسم الرأى العام الأمريكى حول الجهة المسئولة عن الإغلاق، حيث حمل 50٪ من المستطلعين الجمهوريين المسئولية، مقابل 47٪ رأوا أن الديمقراطيين يتحملون اللوم.
لكن العودة إلى «الوضع الطبيعي» قد تكون قصيرة الأمد، حيث يحذر مراقبون من احتمال حدوث إغلاق جديد فى أوائل العام المقبل، ما لم يتم التوصل إلى تسوية أكثر ديمومة. وقد وصف هذا الإغلاق بأنه استثنائى أيضًا لابتعاده عن النقاش المعتاد حول الدين الوطني، الذى بلغ 38 تريليون دولار ويتجه للزيادة بمعدل 1.8 تريليون سنويًا.
اعتبر الديمقراطيون أن الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الإغلاق تستحق العناء من أجل لفت الانتباه إلى أزمة الرعاية الصحية، حيث يواجه نحو 24 مليون أمريكى ارتفاعًا كبيرًا فى أقساط التأمين. وقال النائب الديمقراطى هانك جونسون من جورجيا لرويترز إن «رعاية الشعب الأمريكى الصحية معركة تستحق العناء»، مضيفًا أن الإغلاق جعل الأمريكيين أكثر وعيًا بخطورة الأزمة وبالحاجة إلى المواجهة السياسية الحاسمة.
ورغم تمسكهم بموقفهم، لم يتمكن الديمقراطيون من انتزاع أى ضمانات رسمية بشأن استمرار دعم الرعاية الصحية، واكتفوا بوعد من مجلس الشيوخ الذى يسيطر عليه الجمهوريون بإجراء تصويت حول المسألة دون التزامات مسبقة بتمريرها. ومع ذلك، رأى قادة الحزب أن إثارة القضية فى هذا التوقيت كانت ضرورية، خاصة فى ظل تزايد القلق الشعبى من ارتفاع تكاليف المعيشة، ولأن فشل الجمهوريين فى التحرك قد يرتد عليهم سياسيًا، لا سيما وأن الولايات التى يهيمنون عليها هى الأكثر استفادة من هذه الإعانات.
فى المقابل، وجد الجمهوريون أنفسهم مضطرين لتبنّى حجج طالما استخدمها الديمقراطيون فى أوقات سابقة، مؤكدين أن الأضرار الاقتصادية والاجتماعية الناجمة عن الإغلاق تفوق أى مكاسب سياسية محتملة. وقال النائب الجمهورى المعتدل برايان فيتزباتريك لرويترز إن «القانون يجب أن يمنع إغلاق الحكومة نهائيًا، من العبث استخدام الإغلاق كأداة ضغط سياسية، هذه سابقة خطيرة لا يمكن السماح بتكرارها».
ومع إعادة فتح الحكومة، بدأ نظام السفر الجوى فى البلاد بالتعافى تدريجيًا بعد أن شهد إلغاء آلاف الرحلات بسبب الغياب المتزايد بين مراقبى الحركة الجوية. كما أعلن متحدث باسم وزارة الزراعة الأمريكية عن أن 42 مليون مواطن لن يضطروا للقلق بعد الآن بشأن توقف إعانات برنامج المساعدة الغذائية (SNAP)، مؤكدًا أن معظم الولايات ستتلقى التمويل الكامل لاستحقاقات البرنامج خلال 24 ساعة من استئناف العمل الحكومي.
وخلال فترة الإغلاق، أُجبر مئات الآلاف من الموظفين الفيدراليين على العمل دون أجر، فيما تم تسريح آخرين مؤقتًا ممن اعتُبروا غير أساسيين. وبموجب قانون صدر عام 2019، سيحصل جميع هؤلاء على رواتبهم المتأخرة، رغم أن إدارة ترامب كانت قد هددت سابقًا بحجبها عن بعض الفئات.
كما حاول ترامب استغلال الأزمة لتقليص عدد موظفى الحكومة الفيدرالية، حيث سعى إلى طرد آلاف العاملين ضمن خطة لتقليص الخدمة المدنية بمقدار 300 ألف وظيفة من أصل 2.2 مليون قبل نهاية العام. لكن الاتفاق الذى أنهى الإغلاق حال دون تنفيذ هذه الخطة مؤقتًا حتى نهاية يناير المقبل.
الإغلاق تسبب كذلك فى تجميد إصدار بيانات اقتصادية حيوية، ما اضطر المستثمرين وبنك الاحتياطى الفيدرالى إلى العمل دون معلومات دقيقة لتقييم وضع أكبر اقتصاد فى العالم. كما أثار الإغلاق مخاوف واسعة لدى المستهلكين قبل موسم التسوق فى نهاية العام، ووفقًا لتقديرات مكتب الميزانية فى الكونجرس، أدى الإغلاق إلى تأخير إنفاق يُقدر بنحو 50 مليار دولار، وانخفاض الناتج المحلى الإجمالى الأمريكى بنسبة 1.5 فى المئة.
وأشار المكتب إلى أن الاقتصاد سيشهد تعافيًا واسعًا بعد استئناف عمل الحكومة، لكنه أكد أن نحو 14 مليار دولار من النشاط الاقتصادى ضاعت بشكل نهائى ولن تُعوض، ما يجعل هذا الإغلاق الأطول فى تاريخ الولايات المتحدة ليس فقط أزمة سياسية، بل أيضًا كارثة اقتصادية مؤقتة تركت آثارًا عميقة على ثقة الأمريكيين فى حكومتهم.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض