رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

الزاد

أمجد مصطفى يكتب:حق أم كلثوم؟

بوابة الوفد الإلكترونية

كل فترة نقرأ منشورًا على مواقع التواصل الاجتماعي عن جريمة سطو فكري يرتكبها مغتصب الأرض، ثم ينتقل الخبر إلى منصات أخرى كالفضائيات والصحف، للطرح و المناقشة، يبدأ ساخنًا، ثم يدخل بعد أيام ثلاجة الزمن، وننتقل نحن إلى قضية جديدة تلهينا عن سابقتها.
هكذا أصبح حال الإعلام الآن: اخطف واجري… مداخلة من هنا، ورأي سريع من هناك، ثم تنتهي الفقرة بجملةٍ محفوظة: "نظرًا لضيق الوقت"، ليناقش قضية ثانية، لتدخل الأولى إلى غرفة النسيان.
تابعت باهتمام تناول الإعلامي شريف عامر في برنامجه يحدث في مصر لقضية الفرقة الإسرائيلية التي أعلنت عن تقديم أغاني كوكب الشرق أم كلثوم.
ورغم أهمية الطرح، شعرت — مثل كثيرين — أن المعالجة جاءت بسيطة لا تتناسب مع حجم القضية-مع مداخلة  لحفيدة شقيقتها و محامى العائلة-  إذ طُرحت وكأنها مجرد خبر ثقافي عابر، بينما هي في الحقيقة قضية هوية وذاكرة ووجدان.
الموضوع نفسه ليس جديدًا، بل يتكرر منذ سنوات طويلة؛ فليست هذه المرة الأولى التي تُقدَّم فيها أعمال أم كلثوم في إسرائيل، ولن تكون الأخيرة.
فمنذ عقود هناك محاولات مستمرة لإعادة تقديم التراث العربي، خصوصًا المصري، على المسارح الإسرائيلية في صورة “عروض موسيقية” تُقدَّم على أنها فن عالمي مشترك، بينما هي في جوهرها استحواذ ناعم على رموزنا الثقافية.
والمؤسف أن مثل هذه الوقائع تمر في كل مرة بردود فعل محدودة؛ جدل سريع في الإعلام ووسائل التواصل، ثم يخفت الصوت بلا نتيجة.
لا تتحول القضية إلى تحرك حقيقي من المؤسسات الثقافية أو القانونية لحماية هذا التراث أو توثيقه دوليًا.
وهنا تكمن أزمة التعامل الإعلامي العربي مع مثل هذه القضايا: إثارة لحظة ثم نسيان، تناول شكلي دون تعمق، وكأن الذاكرة لا تستحق الدفاع المستمر.
أما جوهر الأزمة فهو أن الكيان الإسرائيلي — الذي اغتصب الأرض — منح نفسه منذ البداية حق اغتصاب كل ما يخص الأرض، من التراث إلى التاريخ إلى الفن.
فالقوانين الدولية تُطبَّق حين يريدون، وتُغيب حين يتعلق الأمر بهم.
ولذلك نراهم يقدمون أغاني أم كلثوم وعبد الوهاب ورياض السنباطي وبليغ وأسمهان وعبد الحليم وفيروز وغيرهم في حفلاتهم دون أدنى شعور بالحرج أو الوعي بالرمز.
أم كلثوم لم تكن مجرد فنانة مصرية عظيمة، بل صوت الأمة العربية حين كانت الأغنية موقفًا وضميرًا.
هي صوت حمل وجدان المنطقة كلها، وغنّت لمصر والعروبة في أزمنة كانت الكلمة فيها توازي البندقية.
أم كلثوم التي غنّت في فلسطين في عزّ سطوة الاحتلال، بل إن لقب كوكب الشرق أُطلق عليها هناك، حين غنّت على مسرحٍ كان يحمل الاسم نفسه، فخلّد الجمهور الفلسطيني اللقب ووهبه لها عن استحقاق.
ولهذا فإن تقديم تراثها خارج سياقه الوطني ليس فنًا، بل طمسٌ للمعنى وتزييفٌ للتاريخ.
ما كان يُنتظر من الإعلام العربى في تناول مثل هذه القضية هو الطرح الواعي العميق الذي يضع الجمهور أمام خطورة الأمر، ويعيد فتح ملف “الملكية الثقافية والتراث الفني” باعتباره ملفًا من ملفات الأمن القومي لا مجرد شأن فني.
فالفن — حين يمثل هوية — يصبح جزءًا من السيادة، ومن ثم لا يجوز أن يُترك للتداول الحر دون حماية أو توثيق.
نحن بحاجة إلى الانتقال من رد الفعل إلى المبادرة المؤسسية، ومن الحديث اللحظي إلى مشروع حقيقي يوثق أعمالنا ويحميها قانونيًا وفنيًا.
فالسطو على الأغنية لا يقل خطرًا عن السطو على الأرض، لأن كليهما يستهدف الوجود والذاكرة.
وفي النهاية، سيبقى صوت أم كلثوم رمزًا لما كنا عليه، وجرس إنذارٍ لما يمكن أن نكونه إن لم ندرك أن معركتنا القادمة هي معركة وعي وحماية للهوية، قبل أن نصحو ذات يوم لنجد أن حتى صوتنا... لم يعد لنا.