رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

«فرانكشتاين» يعود من جديد ليكشف وجه التكنولوجيا المظلم

بوابة الوفد الإلكترونية

منذ أكثر من قرنين من الزمان، كتبت ماري شيلي روايتها الخالدة فرانكشتاين، لتضع أمام العالم سؤالًا مرعبًا: ماذا يحدث عندما يتجاوز العلم حدود الإنسانية؟ واليوم، يعود المخرج المكسيكي غييرمو ديل تورو ليعيد إحياء هذه القصة في اقتباس جديد من إنتاج نتفليكس، يعكس بصورة مذهلة واقعنا الرقمي المليء بالغرور التكنولوجي، وبالرجال الذين يرون في أنفسهم آلهة قادرة على «خلق الحياة» عبر الأكواد والخوارزميات.

في هذا العمل الجديد، لا يكتفي ديل تورو بإعادة تقديم قصة العالم فيكتور فرانكشتاين الذي صنع مخلوقًا يطارده ذنبه إلى الأبد، بل يُحوّل الرواية إلى مرآة تعكس وجوه رموز التكنولوجيا الحديثة — من مارك زوكربيرغ إلى إيلون ماسك وسام ألتمان، فكلهم، كما يوحي الفيلم، يمثلون الورثة الجدد لغرور فرانكشتاين: أشخاص مدفوعون بشهوة الابتكار بلا حدود، غير آبهين بعواقب ما يصنعونه.

يذكّرنا ديل تورو، من خلال إسقاطاته، بأن مأساة فيكتور فرانكشتاين لا تختلف كثيرًا عن مأساة مؤسسي الشركات العملاقة الذين صنعوا «وحوشهم» الرقمية دون وعي بمصير البشرية، فكما تجاهل فرانكشتاين آلام مخلوقه، تجاهل زوكربيرج آثار فيسبوك في إشعال كوارث إنسانية مثل الإبادة في ميانمار، وكما كذب فرانكشتاين على نفسه، بالغ ماسك في وعوده حول القيادة الذاتية لتسلا، وحتى في بناء أنظمة الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT، يبدو المشهد كما لو أن «العلماء الجدد» يعيدون تجربة خلق الوحش ذاته، من بيانات مسروقة وأحلام مفرطة بالخلود الرقمي.

منذ الدقائق الأولى للفيلم، يُغرق ديل تورو المشاهد في أجواءه القوطية المظلمة، نرى فيكتور فرانكشتاين (الذي يؤدي دوره أوسكار إسحاق) على متن سفينة متجمدة في القطب الشمالي، يطارده مخلوقه الذي لا يموت (يجسده جاكوب إلوردي)، مشهد الافتتاح العنيف هذا لا يترك مجالًا للراحة، إذ تتناثر الأذرع وتسيل الدماء في تصوير بصري متقن يثبت أن المخرج لا يخشى إظهار الوجه الوحشي للعلم عندما يفقد ضميره.

ورغم هذا الطابع الدموي، يركز ديل تورو على الجانب الإنساني العميق في القصة، ففرانكشتاين ليس مجرد عالم مهووس، بل ابن مكسور يحاول إثبات نفسه بعد حياة قاسية مع أبٍ مسيء، فيكرر دورة الألم التي عاشها، إليزابيث، حبيبته (التي تعكس ضميره الغائب)، ترى في المخلوق براءة لم يرها صانعه، وتشعر نحوه بتعاطف حقيقي، هذه العلاقة المعقدة بين الخالق والمخلوق، بين الضحية والجلاد، هي ما يمنح الفيلم عمقه النفسي البارع.

يعرف ديل تورو كيف يُحوّل الرموز الكلاسيكية إلى دروس حديثة، فهو يُعيد توظيف أفكاره السابقة التي ظهرت في أفلامه مثل كرونوس والقمة القرمزية وهيل بوي، حيث يتكرر الصراع الأزلي بين العلم والأخلاق، وبين الرغبة في الخلود والخوف من فقدان الإنسانية، ولكن في فرانكشتاين، يبلغ هذا الصراع ذروته: إنه تأمل فني في معنى «الخلق» نفسه في عصر بات فيه الذكاء الاصطناعي يهدد بأن يصبح صانعنا الجديد.

جماليات الفيلم تستحق الإشادة؛ فالألوان المشبعة، والديكورات الفخمة، والمشاهد الرمزية — مثل الوشاح الأحمر الطافي في الهواء — تضيف بعدًا بصريًا يليق بمخرجٍ يقدس التفاصيل، أما أداء إسحاق وإلوردي فيجسّد التناقض بين القسوة والرقة، بين الرغبة في السيطرة والخوف من الهلاك.

ورغم أن الفيلم يحمل لمحة من الأمل في إنقاذ ما تبقى من الإنسانية، فإنه أيضًا يُقدّم تحذيرًا صريحًا للنخبة التكنولوجية التي لا تزال تلهث وراء «الابتكار مهما كان الثمن». فالذكاء الاصطناعي اليوم، تمامًا كما كان وحش فرانكشتاين بالأمس، مشروعٌ بلا قلب ولا ضمير إذا لم يرافقه إدراك لمسؤولية الخالق.

وعندما سُئل ديل تورو في مقابلة إذاعية عن موقفه من استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في الإبداع الفني، أجاب بجملة تلخص فلسفته كلها: «أفضل أن أموت». هذه الإجابة وحدها تضعه على النقيض من صناع التكنولوجيا الذين يريدون الخلود الرقمي على حساب روح الإنسان.

في نهاية المطاف، لا يُقدّم فيلم فرانكشتاين مجرد إعادة سرد لرواية كلاسيكية، بل يضع مرآة أمام عصرنا الرقمي. فكما صرخ فيكتور قديمًا «إنه حي!»، يصرخ مبتكرو اليوم بالعبارة ذاتها وهم يشاهدون خوارزمياتهم تتضخم وتتحكم بالعالم. لكن التاريخ يعلّمنا أن تلك الصرخة ليست إعلان نصر، بل نذير سقوط.