في ظل التوتر المتصاعد بين الصين وتايوان، وتزايد الحديث عن "السيناريو الأوكراني" في شرق آسيا، يتساءل الكثيرون: هل ستُقدم بكين على غزو تايوان؟ وعلى الرغم من أن الصين تعتبر تايوان جزءًا لا يتجزأ من أراضيها، إلا أن هناك مجموعة من الأسباب السياسية، الاقتصادية، والعسكرية التي تجعل غزو تايوان احتمالًا ضعيفًا في المستقبل القريب.
أولًا: الكُلفة العسكرية والسياسية الهائلة
رغم التفوق العددي والتكنولوجي النسبي للجيش الصيني، إلاًّ أنَ غزو تايوان مهمة شديدة التعقيد عسكريًا. تايوان ليست دولة صغيرة سهلة الاجتياح، بل تُعد جزيرة مُحصنة بحكم طبيعتها الجغرافية التي تساعدها في الدفاع، كما أن جيشها مُدرّب جيدًا، ويستعد لهذا السيناريو منذ عقود. حيث أن أي غزو بحري صيني سيُجابه بمقاومة شرسة، وقد يتسبب في خسائر بشرية هائلة لبكين، ناهيك عن التكلفة المعنوية إذا طال أمد الصراع أو فشلت العملية في حد ذاتها.
ثانيًا: التدخل الأمريكي المُحتمل
الولايات المتحدة، وإن لم تعترف رسميًا بتايوان كدولة مُستقلة، فإنها تُعد الحليف الأقوى لها، وتزوّدها بالأسلحة وتدرب قواتها. بموجب قانون "علاقات تايوان" الذي أقرّه الكونغرس الأمريكي عام 1979 الذي يتيح لواشنطن الدفاع عن تايوان إذا تعرضت لأي هجوم. وبالتالي، فإن أي اجتياح صيني قد يُفجر صراعًا مفتوحًا مع أمريكا، وربما حلفاء آخرين في المحيط الهادئ مثل اليابان وأستراليا.
ثالثًا: التبعات الاقتصادية المُدمّرة
تايوان ليست فقط جزيرة ذات وضع جيوسياسي بالغ الحساسية، بل تُعتبر بمثابة القلب النابض لصناعة أشباه الموصلات العالمية، التي تُزود العالم بأكثر من ٦٠% من الرقائق الإلكترونية المُتقدمة. إن غزو الصين لتايوان سيؤدي إلى انهيار سلاسل التوريد العالمية، مما سيصيب الاقتصاد العالمي والصيني نفسه بالشلل. الصين تعتمد أيضًا على علاقاتها التجارية مع الغرب، وأي عدوان على تايوان قد يدفع الدول الغربية إلى فرض عقوبات اقتصادية قاسية على بكين، مثلما حصل مع روسيا بعد غزوها لأوكرانيا.
رابعًا: التحديات الداخلية
الرئيس الصيني شي جين بينغ لا يستطيع أن يتحمل فشلًا عسكريًا أو تبعات اقتصادية قد تَّهِزُ الاستقرار الداخلي. الصين اليوم تواجه تحديات داخلية كبيرة: كتباطؤ النمو الاقتصادي، وضعف الاستهلاك الداخلي، وأزمة العقارات، وتنامي البطالة. فالمغامرة العسكرية في تايوان ربما تُستخدم كورقة قومية، لكنها أيضًا مُخاطرة قد تُفَجَّر الداخل الصيني في حال فشلت.
خامسًا: استراتيجية "الضغط الطويل"
تُفضل الصين اليوم ما يُعرف بـ "الضغط الطويل": أي تصعيد الضغوط الاقتصادية، العسكرية، والدبلوماسية على تايوان دون الوصول إلى حد الحرب الشاملة. هذا يشمل إرسال طائرات حربية قرب المجال الجوي التايواني، أو شن هجمات إلكترونية، أو محاولة عزل تايوان دبلوماسيًا وعالميًا. الهدف من ذلك هو إضعافها على المدى الطويل وفرض الأمر الواقع دون إطلاق طلقة واحدة.
رغم أن الخطاب الرسمي الصيني تبني شعار "إعادة التوحيد"، إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك حيث أن بكين تدرك تمامًا خطورة سيناريو الغزو العسكري المباشر. هناك عدة عوامل كالكُلفة العالية، والتدخل الأمريكي المُحتمل، والأبعاد الاقتصادية والسياسية، والتحديات الداخلية تجعل من الحرب خيارًا غير منطقي حاليًا. على الأرجح ستواصل الصين استراتيجية "الضغط الطويل"، بينما تراقب المتغيرات الإقليمية والدولية، وتنتظر اللحظة المناسبة لتحقيق أهدافها دون تصعيد.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض