في ذكرى رحيله.. عبد الفتاح الشعشاعي صوتٌ ما زال يملأ القلوب خشوعًا
تحلّ اليوم، الثلاثاء 11 نوفمبر، ذكرى رحيل القارئ الشيخ عبد الفتاح الشعشاعي، أحد أعمدة دولة التلاوة في مصر، وصاحب الصوت الندي الذي ما زالت تسجيلاته تُبث في أرجاء العالم الإسلامي لتستحضر زمن الخشوع والسكينة.
صوتٌ حمل القرآن بإحساس العابد، وصعد من قرية صغيرة في المنوفية ليصبح رمزًا من رموز المدرسة المصرية في التلاوة، وصوتًا خالدًا لا يشيخ مع الأيام.
الانطلاقة من مولد الحسين.. بداية أسطورة
جاءت لحظة التحول الكبرى في حياة الشيخ الشعشاعي في الليلة الختامية لمولد الإمام الحسين رضي الله عنه، حين صعد ليقرأ إلى جوار عمالقة زمانه: محمد رفعت، علي محمود، أحمد ندا، والعيسوي.
منذ تلك الليلة، تبدّل كل شيء وانطلقت تلاوته إلى عنان السماء، وذاع صيته في أرجاء مصر والعالم العربي، وأصبح له تلاميذ ومريدون من أبرزهم الشيخ محمود علي البنا والشيخ أبو العينين شعيشع.
من شعشاع إلى القاهرة.. رحلة الإصرار والموهبة
وُلد الشيخ عبد الفتاح محمود الشعشاعي في 21 مارس 1890 بقرية شعشاع في المنوفية، وحفظ القرآن كاملًا على يد والده في سن العاشرة.
قادته موهبته الفذة إلى المسجد الأحمدي بطنطا، ثم إلى الأزهر الشريف بالقاهرة عام 1914، حيث درس القراءات على يد كبار المشايخ، وبدأ صوته العذب يفرض نفسه بين عباقرة التلاوة.
ورغم شكوك المحيطين، عاد إلى القاهرة بثقة وإصرار ليشق طريقه وسط الكبار، حتى صار اسمه مرادفًا لجمال الأداء وروحانية الصوت.
من التواشيح إلى التلاوة الخالصة
قبل أن يُعرف قارئًا للقرآن، أسس الشعشاعي فرقةً للتواشيح الدينية ضمّت الشيخ زكريا أحمد في بطانتها، لكن شغفه بالقرآن كان أقوى من أي فن آخر.
ترك التواشيح وتفرّغ للتلاوة منذ عام 1930، بعدما تألق في مآتم سعد زغلول، وعدلي يكن، وثروت باشا، حيث أصبح صوته عنوانًا للهيبة والوقار، وحضوره مطلبًا في المناسبات الدينية والوطنية الكبرى.
أول من صدح بالقرآن في الحرمين بمكبرات الصوت
في رحلة خالدة، سافر الشيخ الشعشاعي إلى الحجاز عام 1948، ليكون أول من تلا القرآن الكريم بمكبرات الصوت في مكة والمدينة ووقفة عرفات، ثم سافر إلى العراق مرارًا، حاملاً معه روح التلاوة المصرية التي أبهرت المستمعين في كل مكان.
صوت الإذاعة المصرية.. ورمز عصرها الذهبي
التحق الشيخ بالإذاعة المصرية عام 1934، ليصبح ثاني قارئ بعد الشيخ محمد رفعت.
ورغم تردده في البداية، عاد ليقرأ على الموجات المصرية بفتوى من شيخ الأزهر، فصار صوته من أبرز ما ميّز البث الإذاعي في الثلاثينيات والأربعينيات، وارتبط اسمه بلقب “صوت الأمة”.
تكريمٌ باقٍ بعد الرحيل
نال الشيخ الشعشاعي تقديرًا رسميًا من الدولة، وكرّمته وزارة الأوقاف بعد وفاته، كما منحته الدولة عام 1990 وسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى تقديرًا لدوره في إرساء فن الأداء القرآني.
وتوفي الشيخ في 11 نوفمبر 1962 عن عمر ناهز 72 عامًا، في جنازة شعبية مهيبة، وترك إرثًا خالدًا من التسجيلات النادرة التي لا تزال تضيء ليالي المستمعين.
إنسان قبل أن يكون قارئًا
وراء هذا الصوت المهيب كان قلبٌ مفعم بالوفاء والتواضع؛ إذ كان الشيخ الشعشاعي قريبًا من الناس، وصديقًا لرموز الفن والسياسة، من أم كلثوم وعبد الوهاب إلى سعد زغلول وعدلي يكن وحين رحل، ترك للأمة مدرسة في التلاوة لا تُدرّس بالنوتة أو المقام، بل بخشوع القلب وصدق النية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض