قطوف
حين يتذكّرك المكان
من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.
"سمية عبدالمنعم"

جلستُ في الزاوية ذاتها من المقهى، ومازلتُ أعيش في تفاصيلك؛ الطاولة تحفظُ أثر يديكَ أكثر من يدي، والكرسي يحتضن دفء ظهرك رغم الغياب.
شئٌ منك عالق في الهواء، في رائحة البنّ التي تشبه نبرة صوتك حين تقول لي : "ابقَي"
أُحدّقُ في فنجاني المُرّ، أراه مرآةً مقلوبةً، أطلّ منها على وجهك المتخفي بين الغيمات، أُحدّثك كأنك قاب قوسين من الحضور، أو قاب غيابين من الانطفاء.
الغريب أن المدينة لم تلحظ رحيلك، لكني أسمع خطواتك تتردّد في الذاكرة، وأرى ظلك يتمشّى على الأرصفة، يصافحُ النوافذ التي تنتظرك مثلي.
أمشي بين الناس كشاهدة قبر بلا اسم، كلّي علامات استفهام تناديكَ.
بعدك، صارت الأماكن أوطانًا مكسورة؛ المطر عابس، الضوء ضائع، والنوم لا يزورني إلا وفي يده حلمك.
أراك حين أُغمض عيني كصوتٍ يداعب قلبي من الداخل، كصلاةٍ ضلّت طريقها ووجدتني، ما عدتُ أعلم؛ أأنت وهمٌ أفلت من خيالي، أم حقيقة أضاعتها الحياة في قلبي.
لكني أوقن أنكَ أكثر من ذكرى وحنين؛ كنت المستحيل الذي مرّ بي على مهل، وتركتني على هيئة فقد يتّسع، نقطة توهّج لا تطفئها المسافة.
ذلك التجلي الأخير لما تبقى فيّ من إنسانٍ تعلّم أن يحبّ ما لا يعود، وأن يجعل من الغياب وطنًا لا يُغلق بابه.