قطوف
ظلال
من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.
"سمية عبدالمنعم"

يضرب بجناحيه الهواء فى زهو، مراقصًا أشعة الشمس بريشه الطويل. يقرب منقاره المعوج من أذن أنثاه. يداعب عنقها قليلًا، ثم يرسل لها نغمات بصوت هامس حنون. يطرب قلبها قليلًا، لكنها تعرض عنه فى حزن وانكسار، يعلو صوت الفتنة فى داخله، فيدنو منها أكثر.
عصفور متباه يغنى لحن غريزته. تنتشى أطرافها، وترمقه بنظرة حالمة بها الكثير من الغموض. يتأمل عينيها العميقتين فى انتشاء، قبل أن يلمح ظلال القفص الحديدى الذى يضمهما.
*
فى غبشة الفجر، كنت أقف على حافة الترعة، أتأمل صغار السمك وهى تلهو فى المياه الجديدة. أبصرت انعكاس جسدها. فرفعت رأسى نحوها. كانت تقف على الحافة المقابلة. لا تشبه كلاب القرية. فراؤها تلمع عليه حبات الندى. تبادلنا النظرات الحزينة. رفعت رأسها للسماء، ومطت شفتيها. فخرجت نغمات غريبة وجديدة على سمعى. ارتجف قلبى لنشيجها، ووددت لو مددت يدى وربت على كتفيها. فجأة اهتزت أعواد القصب، ليخرج منها عمى شاهرًا منجله الحديدى. وجدنى وحيدًا كما تركنى.
سألنى لاهثًا: شفت الديب؟!
هززت رأسى بالنفى...
**
الذكريات تشبه أسماك القرش لا تعرف من أين تجىء ومتى تهجم.. إنها فقط تهز ذيلها وتختفى كالأشباح بعد أن تنهش فى القلب والروح معًا. بجوار صخرة يضربها رذاذ الماء فى عنف لين، يقف فوقها قط يموء فى ترقب. جلس ممسكًا صنارته الجديدة الممدودة أمامه. إنها المرة الأولى التى يجرب فيها صيد أسماك المياه المالحة. ريح الشاطئ لا تزال تهب على الأمواج الهادئة، وهو يستجدى ذلك الحظ العنيد. ضحكة هازئة، مكسورة الصوت، تقف على شفتيه وهو يتذكر معاناته. تتدافع فى رأسه خلال لحظة واحدة آلاف الأفكار الممزوجة بخوفه مما هو قادم.
من خلال همومه رآها، تقف أمامه. لا يدرى من أين أتت؟ فالأفق ممتد، وضوء النهار ما زال يحبو محولًا اللون الأسود إلى أزرق عميق. لها وجه طفلة وجسد امرأة. شبكت قلبه بنظرة مغرية، ثم كشفت عن ساقيها واستجابت لنداء البحر. تتبع خطواتها. تبعها حتى عجز عن الرجوع...
الراهب*
أعاقر الوحدة فى صمت، أنثر بسماتى الحزينة، وأتلو صلواتى ليل نهار، مستسلمًا لآلامى العطنة. لكن بداخلى رغبة.. رغبة تشتعل: أنزع جلبابى الأسود وأنطلق فى جنون، كسهم فارق وتره المشدود.. لأتبع ريح امرأة.. أعرفها جيدًا.. أعرفها كما أعرف نفسى المجهولة.