قطوف
قلب نابض
من بين ثمار الإبداع المتناثرة هنا وهناك، تطفو على السطح قطوف دانية، تخلق بنضجها متعة تستحق التأمل، والثناء، بل تستحق أن نشير إليها بأطراف البنان قائلين: ها هنا يوجد إبداع..
هكذا تصبح "قطوف"، نافذة أكثر اتساعًا على إبداعات الشباب في مختلف ضروبها؛ قصة، شعر، خواطر، ترجمات، وغيرها، آملين أن نضع عبرها هذا الإبداع بين أيدي القراء، علّه يحصل على بعض حقه في الظهور والتحقق.
"سمية عبدالمنعم"

"اتمخطري يا حلوة يازينة يا وردة من جوا جنينية يا عود قرنفل يا عروسة الورد طالل علينا"
تعلو الأغنية من حناجر فرقة الزفة وهم ينهالون بالضرب على الدفوف والمزاهر ويعلو من وسطهم صوت المزمار الصعيدي ليصدح بجلاء وسط الشارع المترب والفرقة بملابسهم اللامعة المبهرجة يرقصون حول العروسين في القرية التي خرج جميع الأهل والأقارب لحضور ومشاركة الزفة بهجتها ومسيرتها..
تقف العروسة المزدانة بطرحتها وتصفيفة شعرها المنسدلة فوق جبينها بما يسمى (فرنشة) والذي تزين كباقي وجهها بالكريمات ومستحضرات التجميل فتجعلها باسقة ومتألقة إلى جوار العريس الذي صفف شعره بقصة الخواتم الملفوفة فوق جبينه المتعرق من الرطوبة والحر الخانق .. ولعل الذي زاد من تعرقه تلك الحُلة ذات الخامات اللامعة من البوليستر والساتان التي ارتداها فكانت ملتصقة ببدنه!
كما أن رفاقه وأقرانه قد التفوا حوله في حلقة للرقص بحماس وقد راقصوه وحملوه على الرقص المحموم ..
كانت ليلة صاخبة دُقت فيها الزفة أسفل عناقيد النور التي طالت الشارعين اللذين فطن فيهما ذوو العروسين..
ولعلعت الزغاريد مع تباري صديقات وقريبات العروسة العزيزات في الرقص لعل إحداهن تحظى بعريسٍ من رفاق العريس الفتيان، فالكل يريد الزواج
الكل يريد الفرحة
فالعائدون من الخليج قد كثروا
والخير قد عم البلاد منذ أن سقطت الديون في نادي باريس
وزهزهت البلاد بعدما عم الخير.
كانت الفتيات يتمايلن والفرقة تردد أغنية بيني وبينك خطوة ونص
وصوت المزمار يصدح ودق الطبول والدفوف يدوي بصكصكة المزاهر
والعرق يطفح على أثواب الشباب الفضفاضة في تلك الليلة الحارة..
والفتيات تلتصق عليهن فساتينهن وأزياؤهن البراقة ذات الطابع الريفي..
ولا يمكننا أن ننكر مرور الشباب الملتحي على المكان ونظرة الامتعاض تعلو ملامحهم!
إذ إن الصحوة الدينية السلفية التي تسلسلت منذ تداعيات المد الشيعي في إيران منذ ثورة الخوميني مرورا بإعلان الجهاد ضد السوفييت في أفغانستان وانتهاء بدعوات دعم صدام بعد ادعائه بأن غزو الكويت للضغط على إسرائيل لتحرير فلسطين قد صنعت في المجتمع ذلك التيار المتشدد والذي خرجت من عباءته التيارات المتطرفة والتي دخلت في معارك مطولة مع الحكومة!
لكن في ذلك العرس لن يأبه أحد بكل تلكم المشاكل، هم فقط هنا للفرح والرقص!
وجالس الحاج صالح والد العريس نسيبه وجاره الحاج رمضان عم العروس وقد تلفع كلا منهما جلبابه الأنيق الذي جاء لكل منهما كعطايا من العائدين من مناسك الحج
وقد تبسما أمام أضواء كشافات مصور الفيديو النحيل العصبي جاحظ العينين.
أما أم محمد والدة العريس وأم سمير خالة العروس، فلقد تسابقتا في اللعلعة بالزغاريد الرنانة وقد جاملتهما الذويات والقريبات
وفي الركن القصي كانت تلك المسنة أم سالم تجلس فوق جرسيها في صمت بعيدا عن قلب الأحداث
بثوبها الأسود البسيط وبسمة وادعة وعيناها ترقبان المشهد في صمت!
وعلى وجهها تلك المسحة الحزينة
فالمرض قد هد عافيتها وكذلك الأحزان..
هي أم العروس
لكنها رغم الزفاف تشعر بالأسى في جوفها..
قد يكون ذاك مرجعه لترملها وهي في ريعان شبابها، فرحيل زوجها المربي الفاضل في حادث انقلاب سيارة لدى عودته من الإعارة في ليبيا قد كسر بداخلها حاجز الأمان!
خصوصًا بعدما ترك لها سالم .. وكامل .. وميار ابنة العام الواحد ..
لتجد نفسها وحيدة في مهب الريح!
فعملت المستحيل لتربية الأبناء من بعد استيلاء شقيق زوجها الحاج رمضان على حق زوجها في الأرض بعقود مزورة ببيع وشراء بشهود زور! .. ورغم ذلك هو اليوم يتصدر المجلس وكأنه صاحب الفضل!
وبالمعاش الشحيح ومساعدات أهل الخير وخروج سالم من التعليم لامتهانه حرفة الحدادة تمكنت من سبر غور بحور الحياة القاسية..
وجاء وقت التجنيد على سالم!
فالتحق سالم بسلاح المشاة
وجاءت حرب أكتوبر لينضم سالم في العبور العظيم.. ليصبح شهيدا في الساعات الأولى للعبور العظيم
فتثكله الأم.. وتنقهر روحها كمدًا! .. لكنها لا تملك سوى الرضوخ لأمر الله تعالى الذي شاء عليها ذاك القدر !
وبمعاش الشهيد وبمعاش الزوج أكملت تعليم كامل الذي حصل على دبلوم معلمين ليعمل معلما في مدرسة القرية كي يساهم في الصرف على المنزل وإكمال تعليم ميار ..
كامل الهاديء الرزين الصموت أخذ يبذل قصارى جهده في عمله وفي إعطاء الدروس الخصوصية فقط لجمع المال من أجل أمه وشقيقته!
فقط كي يخف الحمل عن أمه
ويتحمل بجلد مطالب الحياة
ويساهم في تربية آخر العنقود
ومضى به العمر حتى أنهت ميار تعليمها الجامعي بتقدير جيد بشهادة آداب للغة العربية.
وكامل هناك معهم سندًا وملاذًا لها ولأمها!
فلقد رهن عمره وحياته لهما
ولهذا رفض الزواج
فقط يعمل ويصرف ويدخر لشقيقته الحبيبة!
وعمره وشبابه يتسربان منه كالسراب
فغزا الشيب شعره وشاربه
وتكحلت عيناه بهالات الكهولة إذ كان يكبر ميار باثنتي عشر عاما
واليوم هو قد قارب الأربعين بلا زواج.
ولما تقدم لها محمد ابن جارهم الحاج صالح، كان هو واقفًا ليتفق ويجعل لميار قيمتها بالعزوة والسند!
لكن الأفق قد تعكر ..
إذ كانت علامات المرض قد ظهرت على كامل
وفي زيارتهم للمستشفى لتوقيع الكشف علمت أمه بمرضه المزمن بالقلب..
مرضٌ لا فكاك منه
ويهدد بقاءه!
اليوم كامل قد أدى رسالته على أكمل وجه.. بتزويجه ميار بعد تجهيزها بشكل مشرف، لكنه اليوم لن يقدر على الزواج بسبب انعدام المال بعد صرفه على شقيقته ووالدته
وكذلك بسبب وهن عضلة قلبه والتي قد تهدد حياته.
كان كامل وسط الجموع يصفق
وبسمة متتبعة بنظرها وجهه النحيل المرهق...
فلعل تلك هي آخر أفراحه.