رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

قضية ورأي

توشك إسرائيل، على توقيع اتفاق تسوية أمنية نهاية شهر سبتمبر المقبل، مع الرئيس السورى أحمد الشرع، رمز ما يسمى بالتيار الإسلامى المتشدد.. وبالطبع الاتفاق بوساطة أمريكية.

تتضمن التسوية المرتقبة، نزع السلاح من منطقة الجولان المحتلة، ونزع السلاح من المنطقة الممتدة بين دمشق والسويداء، إضافة إلى حظر نشر أسلحة استراتيجية داخل الأراضى السورية بما يشمل الصواريخ وأنظمة الدفاع الجوى.

والمقابل طبعا هو «فتات» أو مساعدات لإعادة الإعمار، سيحصل عليها أمراء الحرب، إلى أن يحين قطافهم.

وهكذا ستبنى إسرائيل حاجزا منزوع السلاح فى سوريا، بعد أن قوضت «محور المقاومة» وكسرت شوكة إيران فى سوريا والعراق ولبنان وغزة، وعلى أراضى إيران نفسها.

وهكذا تحولت سوريا من دولة إلى حاجز.. ولتصنع إسرائيل لنفسها حاجزا عريضا بينها وبين تركيا شمالا، وبينها وبين إيران شرقا، فى استدعاء للتاريخ الاستعمارى الغربى.

فاستراتيجية الحواجز هى نظرية غربية بامتياز.

والمتأمل للعلاقة بين الغرب وروسيا مثلا، سيجد أن أوروبا الغربية كانت فى معظم القرن التاسع عشر تتحالف مع الدولة العثمانية المسلمة ضد روسيا المسيحية، ليس حبًا فى العثمانيين بل حفاظًا على «الحواجز».

والعكس كانت تفعله روسيا تماما، فقد كانت الدولة العثمانية هى الحاجز أمام الطموح الروسى.. وكذلك أمام طموح أوروبا الغربية فى روسيا.

وعندما سعى محمد على باشا لتقويض هذا الحاجز ووراثته، تحالف الجميع عليه ودمروه حتى أصيب بالخرف.

فقد شارك الباشا كحليف للعثمانيين فى قمع الثورة اليونانية، فأرسل جيشه بقيادة ابنه إبراهيم إلى المورة، وحقق انتصارات كبيرة كادت تنهى الثورة، لكن تدخل القوى الأوروبية غيّر المعادلة.

ففى معركة نفارين تحالفت بريطانيا وفرنسا وروسيا لدعم الاستقلال اليونانى، وقام أسطولها بتدمير الأسطول المصرى - العثمانى.

وهذه المواجهة كانت أول إنذار لمحمد على بأن أوروبا لن تسمح له بالتمدد خارج حدود مصر دون إذنها.

بعدها بسنوات أرسل محمد على جيشًا بقيادة إبراهيم أيضا إلى بلاد الشام بحجة خلافات مع والى عكا، لكن السبب الحقيقى كان رغبته فى توسيع دولته وتأسيس كيان مستقل يسيطر على طرق التجارة، وليصبح الباشا بديلا للسلطان.

انتصر إبراهيم فى معارك عديدة ووصل إلى حدود الأناضول، وكادت الدولة العثمانية تسقط، لولا تدخل روسيا هذة المرة التى أرسلت قوات لحماية السلطان، وأبرمت معاهدة كوتاهية.

وعاد الصدام فى أواخر ثلاثينيات القرن التاسع عشر، عندما تجدد النزاع بين الباشا والسلطان، وفى معركة نزيب، انتصر إبراهيم على الجيش العثمانى مرة أخرى، وسلم الأسطول العثمانى نفسه لمحمد على.

عند هذه اللحظة، أيقنت بريطانيا والنمسا وبروسيا وروسيا أن الباشا يهدد بقاء السلطنة نفسها.

وعقدت الدول الكبرى «معاهدة لندن 1840» التى قضت بإجبار الباشا على الانسحاب من الشام والأناضول، وحصر سلطانه فى مصر والسودان فقط، ومنحه حكمًا وراثيًا فى مصر، لكن تحت السيادة العثمانية.

الأمر نفسه، فعلته الولايات المتحدة مع الاتحاد السوفييتى عقب الحرب العالمية الثانية، عبر التطويق والحواجز، وتفعله الولايات المتحدة وأوروبا مع روسيا الآن، وهذا سر دعمهما اللامحدود لأوكرانيا.

فأوكرانيا هى الحاجز أمام طموح روسيا والغرب، كل فى الآخر.. كما أن سوريا هى الحاجز بين تركيا وإيران وإسرائيل.

حفظ الله مصر التى تعاملت قيادتها بحكمة عالية مع محاولات تطويقها غربا فى ليبيا، وجنوبا فى السودان ومع إثيوبيا، وشرقا مع حرب غزة، وشمالا مع الطموح التركى قى البحر المتوسط، ونجحت بامتياز فى الهندسة العكسية لاستراتيجية الحواجز.