خلْق الله مخلوقان؛ عصاه كلاهما، لكن أحدهما ملأ قلبه الندم على ارتكاب الخطيئة فغفر له، أما الآخر فقد ملأ قلبه الكبر والغرور، فلعنه الخالق إلى يوم يُبعثون.
أحد هذين المخلوقين يدعى آدم، وهو مخلوق نفخ الله فيه من روحه فتمثل بشرًا سويًّا وعلمه من لدنه أسماء الأشياء وباهى به سائر مخلوقاته؛ لأنه يعلم أنه رغم ضعفه «وخُلق الانسان ضعيفاً» وكَبَد ما يعانيه في حياته «وخُلق الإنسان في كبد»، فإن قلبه وسع الأمانة التي أبَى سائر مخلوقات الله الأخرى أن تحملها، فكان قلب الإنسان المؤمن أثمن من الكون وما فيه عند الخالق؛ لذا فقد فضله الله على سائر المخلوقات، بل وأمرهم جميعًا أن يسجدوا له وأفرد له النعيم المقيم الخالد، أما المخلوق الآخر فهو "إبليس"، ذلك المخلوق الناري الذي كان أعبد المخلوقات قبل الإنسان ولكن أكل قلبه الحسد والغرور حينما رأى تكريم الخالق للإنسان، فآل إلى مصيره المشئوم.
لذا فقد كان من المحتم أن يبدأ الصراع بين هذين المخلوقين، وهو صراع أبدى فى حرب لا هوادة فيها، توعَّد فيها الشيطان الإنسان بأنه سيكون سبب هلاكه من خلال استغلال كل ما يملكه من أسلحة تتمثل فى الغواية وما جُبل في الإنسان من نقائص، فعرف كيف يتسلل إليه من خلال نقطة ضعفه، فتجد أحدهم يزل قدمه بسبب حب امرأة ما، وتارة أخرى بسبب حب المال أو بسبب اقتناص سلطة، فتجد الدماء تسيل أنهاراً ويقع من الشرور ما لم يتصوره أحد.
وقصص تلك الحرب لا تعد ولا تُحصى تجدها متناثرة في تاريخ البشرية، فتطل علينا فيما ورد لنا من أثر الأنبياء والصالحين ممن انتصروا في حربهم تلك، وعلى النقيض تجد قصص الجبابرة والطغاة ممن غرر الشيطان بهم فكانت نهايتهم الجحيم وسعيره.
وقد طفق الأدباء يسطرون في إبداعاتهم قصة ذلك الصراع، ولعل أشهرها على الإطلاق، "فاوست"، وهي إحدى أشهر حكايات التراث الشعبى الألمانى، وفاوست هو رجل علم يحقق نجاحاً كبيراً ولكنه غير راضٍ عن حياته، فيُبرم عقداً مع الشيطان يسلم إليه روحه في مقابل الحصول على المعرفة المطلقة وكافة الملذات الدنيوية في إشارة واضحة لتلك الحرب الضروس بين الإنسان بضعفه وإبليس بغوايته، ومن خلالها استلهم الأدباء على شتى ألوانهم قصصًا عديدة في تلك الثقافات بكل اللغات.
وفيما يخص الفن المصرى، نجد أن قصة فاوست حاضرة بقوة، إذ قُدمت في عدة أعمال فنية وجدت صدى لدى المتابعين، منها فيلم "سفير جهنم" الذي أبدع عميد المسرح يوسف وهبى فيه أداء دور الشيطان، ومنها أيضًا إحدى المعالجات للأديب المصري توفيق الحكيم باسم «المرأة التى غلبت الشيطان» وهى معالجة أدبية تتناول إحدى النساء الدميمات التى وعدها الشيطان بالحصول على الحب والمال والجمال فى سبيل بيع روحها له فى النهاية.
الصفقة في جميع تلك الأعمال فى النهاية لم تتم ويخرج الإنسان فيها منتصراً، مخلفاً خيبة الأمل للشيطان، في إشارة إلى أنه رغم ضعف الإنسان فإن نزعته إلى الإيمان والخير دائماً ما تنتصر.
ولعل أبرز ما نجده من أسلحة الإنسان فى هذه الحرب الضروس هو سلاح الرضا، فحينما يرضى الإنسان عن حياته يجد السعادة، إذ يقارن الإنسان حاله التى فيها والتى ينعم فيها بحب الأسرة والأبناء والصحة مع فقره بتلك الأخرى التى قد يكتسب فيها المال ولكن تنقصه السعادة، حينىٔذ يكتشف أن الله تعالى لم يظلمه قيد أنملة وأنه على فقره كان ينام قرير العين، فيما يطارده القلق رغم غناه إلى الحد الذى يقض مضجعه فلا يجد للنوم سبيلًا.
يتخلل الإنسان الندم فيما أنه لو كان قد تحلى فقط بقليل من الرضا والإيمان بعدل الخالق ما كان قد تردى فى هذه الهاوية التى ليس لها قرار.
وإذا كنا فى عالم السينما نجد أن البطل في "سفير جهنم" يفيق ليجد نفسه فى حلم ما ، كما نجد أن تلك المرأة تعود إلى رشدها فى قصة توفيق الحكيم، فإنه يلح على ذهنى سؤال الآن فيما يصادفه الإنسان في الواقع من كَبَد المعيشة الذي قد يفوق الحد: ماذا لو صادفك شيطان فى أحد الأيام، وعرض عليك تلك الصفقة، فماذا سيكون ردك؟