عاجل
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

كبسولة فلسفية


اسمحوا لي في البداية أن أستعير الكلمة التي نسمعها دائمًا من صُنّاع السينما والدراما" "كلاكيت... تاني مرة". وهو بالضبط ما سنفعله الآن؛ فقد سبق وأن تحدّثنا عن «التفكيكية» في مقال سابق تحت عنوان: «التفكيكية».. ثورة دريدا على التاريخ الفلسفي. عن أنّ هناك كلمة باقية لابدّ منها أن تُقال عن التفكيكية، وهو ما سنقوم به الآن في هذا المقال.
فالتفكيك (Deconstruction) بكلمة موجزة، هو نوع من القراءة يُنتِج استنتاجات متشككة ومتشائمة إزاء الواقع والعقل والفلسفة. ومنهجيًا، يُعَدّ التفكيك هو فلسفةً تدرس كيف يفهم الناس المعنى ويُنشئونه. وبصفته عمليةً تكرارية قابلة للتنفيذ مرارًا، فهو يقوم على تحليل المفهوم أو الشيء، ثم تعديله، ثم إعادة تركيبه من جديد. إن دراسة هذه العملية تساعدنا على اكتشاف كيفية تعديل النظام الأصلي ليُصبح أكثر انفتاحًا وشمولًا للجميع.
ولقد نشأ التفكيك نتيجة اندماج عدة مفاهيم فلسفية وفنون وحركات اجتماعية، بل وحتى حروب، مما منحه خلفية تاريخية وسياقية غنيّة. وانطلاقًا من العدمية – أي نقض البنيوية ومعارضتها وإنكارها – يُظهر التفكيك روحه النقدية التي تقف ضد الأطر السائدة، وتطرح الأسئلة على هذا الأساس. وفي إطار ما بعد الحداثة، شاع التفكيك بوصفه منهجية قابلة للتطبيق على نطاق واسع في مجالات الفن والتصميم، بل والحركات الاجتماعية.
يرى جاك دريدا – وهو فيلسوف فرنسي معاصر – أن الميتافيزيقا الغربية قائمة على مركزية اللوجوس، أي نظام فكري يقوم على الثبات والسلطة والاستقرار. وتعتمد هذه المركزية بدورها على مفهوم الثنائيات الضديّة (كالكلام/الكتابة، الخير/الشر، الداخل/الخارج، إلخ)، حيث يُمنَح المصطلح الأول الأفضلية على الثاني، وذلك منذ العصر اليوناني. ويسعى التفكيك إلى الكشف عن العيوب والتناقضات التي تفترضها هذه البنى الهرمية داخل النص، وإلى إبراز الجوانب الأخرى للمعنى، خصوصًا ما هو مخفي أو مضمر. وبهذا يتّضح أن هذه الثنائيات ليست سابقة على النص، بل هي نتاج له.
فعلى سبيل المثال، في أعمال جان جاك روسو، تُقدَّم الثقافة بصوفها قوة قمعية وفاسدة نشأت من حالة طبيعية سعيدة وهادئة عاش فيها الإنسان في عزلة مثالية. وهكذا، عند روسو، تسبق الطبيعة الثقافة. غير أنّه من زاوية آخر، يمكن اعتبار الطبيعة نفسها نتاجًا للثقافة. إذ أن مفهوم "الطبيعة" أو "الطبيعي" يتغير تبعًا الثقافة السائدة في أي لحظة من لحظات التاريخ. وما تكشفه هذه الحقيقة ليس أنّ ثنائية الطبيعة/الثقافة ينبغي قلبها (أي الادعاء بأن الثقافة تسبق الطبيعة في الواقع)، بل إن العلاقة بينهما ليست أحادية الاتجاه كما افترض روسو وغيره. ومن هنا، فإن الهدف من القراءة التفكيكية الدقيقة هو إعادة بناء الثنائيات الضديّة وإزاحتها، لا مجرد قلبها.
المفهوم الجوهرِي في التفكيك هو الاختلاف (Difference)، والذي يعني تأجيل الفوارق. وهو يُجسّد الكيفية التي يعمل بها تصورنا للأشياء؛ إذ يقوم فهمنا لأي مفهوم على أساس فهمنا للعديد من المفاهيم الأخرى المرتبطة به، سواء أكانت مشابهة له أم مناقضة. فالمفهوم الحقيقي لا يُعرَّف بذاته بقدر ما يُوصَف من خلال تلك المفاهيم المرتبطة. ويُبيّن لنا التفكيك أنه ربما لا توجد حقيقة نهائية كما تفترضها مركزية اللوجوس ربما لا تكون موجودة أصلًا. وبعبارة أخرى، فإن بنية وأشكال أي نظام قائم تظل قابلة لانفتاح لا نهائي على احتمالات ومعانٍ جديدة.
محصّلة القول إن التفكيكية عملية مستمرة تقوم على تفكيك البنية الأصلية ثم إعادة تركيبها وفق منطق جديد، والغاية منها خلق نظام مفتوح على التغيّر الدائم، بما يتيح إمكانيات متجددة للتفسير والفهم.
[email protected]