إطلالة
استكمالاً للحديث السابق عن المعاناة التي يواجهها المواطن المريض في مستنقع الفوضي بالتأمين الصحي.ففي الزمن الذي تتعالى فيه الأصوات المنادية بتحقيق العدالة الصحية وضمان رعاية طبية شاملة، يقف المواطن أمام منظومة التأمين الصحي وهو يحمل في يده بطاقة التأمين، وفي قلبه ألف سؤال: هل سألقى الرعاية اللازمة؟ هل أحصل على دوائي؟ أم أن تلك البطاقة ليست سوى حبر على ورق؟
عند الحديث عن التأمين الصحي، يتبادر إلى الأذهان أنه أحد أهم مظاهر العدالة الاجتماعية، وأنه أداة لضمان الرعاية الطبية لكل فئات الشعب، خاصةً أصحاب الدخول المحدودة. لكن الواقع، كما يرويه المرضى يوميًا، يعكس صورة قاتمة مملوءة بالتعقيدات والمساوئ التي باتت تنغص على المواطن حياته، وتدفعه في كثير من الأحيان إلى البحث عن “طرق بديلة” للحصول على حقه المشروع.
من المؤسف أن عدد كبير من المرضى الذين يريدون الحصول على العلاج داخل منظومة التأمين الصحي لا بد له أولًا المرور عبر “باب خلفي”، يتمثل في زيارة الطبيب ذاته – طبيب التأمين – لكن في عيادته الخاصة. والسبب؟ كي يحصل المريض على “توصية” أو تشخيص معين يمكّنه من صرف الدواء أو إجراء الفحص أو التحويل إلى مستشفى متخصص عبر التأمين الصحي.
هذا السيناريو، المتكرر يوميًا، لا يُعد فقط استنزافًا لجيوب المواطنين الذين لجأوا للتأمين الصحي هربًا من نفقات العلاج المرتفعة، بل يُعد أيضًا تضييقًا متعمدًا على الحقوق الصحية للمواطن، ويكشف عن خلل جوهري في منظومة العمل داخل التأمين.
ومن ضمن أحد أبرز المساوئ التي ترهق المريض في التأمين الصحي هي البيروقراطية الشديدة والإجراءات المتشابكة. فبدلًا من أن تكون بطاقة التأمين مفتاحًا سريعًا للعلاج، تتحول إلى بداية لمتاهة ، تحويلات بين مراكز ومستشفيات قد تستغرق أسابيع ، اشتراط توقيع ثلاثة أطباء للحصول على دواء معين ،نقص دائم في الأدوية الأساسية، مع غياب البدائل ،و
اعتماد الطبيب على توصية خارجية (خاصة) لاتخاذ قرارات داخل التأمين.
هذه البيروقراطية ليست فقط إهدارًا لوقت المريض وصحته، بل تخلق أيضًا بيئة خصبة للفساد والابتزاز، حيث يتم توجيه المرضى نحو العيادات الخاصة، أو مطالبتهم بشراء خدمات كان من المفترض أن تكون مجانية أو مدعومة.
المريض في هذه المنظومة واقع بين خيارين أحلاهما مرّ ،
الانتظار الطويل داخل التأمين، والخضوع لإجراءات معقدة وغير مضمونة أو اللجوء إلى العيادات الخاصة والأدوية الخارجية، وتحمل تكلفة إضافية لا طاقة له بها.
وفي الحالتين، يتآكل حقه المشروع، وتختفي أهداف التأمين الصحي كوسيلة للعدالة، ليتحول إلى هيكل شكلي يخدم النظام أكثر مما يخدم المواطن.
واذا قمنا بتحليل جذور هذه الأزمة، نجد انها تتلخص في
ضعف الرقابة على أداء وحدات التأمين والأطباء، وانعدام المحاسبة في حال الإهمال أو التلاعب بحقوق المرضى، والبنية التحتية المتهالكة في بعض وحدات ومراكز التأمين، وتدني الرواتب والحوافز للأطباء داخل التأمين، مما يدفع بعضهم لتحويل المرضى إلى عياداتهم الخاصة ، ونقص مزمن في الأدوية والمستلزمات الطبية، وغياب قاعدة بيانات إلكترونية موحدة تساعد على تسريع الخدمات.
رغم هذا الواقع المؤلم، إلا أن إصلاح منظومة التأمين الصحي ليس مستحيلًا. بل يمكن النهوض بها تدريجيًا من خلال مجموعة من الخطوات الجادة، أبرزها ، إلزام الأطباء بعدم استقبال مرضى التأمين في عياداتهم الخاصة بهدف التحويل أو التوصية، ووضع رقابة صارمة على هذا السلوك.
بالإضافة إلي توفير الأدوية والمستلزمات داخل وحدات التأمين الصحي بشكل دوري ومنظم، وتفعيل الرقابة على صرفها.وإطلاق منصة رقمية موحدة لخدمات التأمين الصحي، تُسهل على المواطن حجز المواعيد، والحصول على التحويلات، ومتابعة طلباته دون الحاجة للحضور.ورفع كفاءة البنية التحتية، وتطوير المستشفيات والمراكز التابعة للتأمين.وزيادة أجور الأطباء، وتحفيز الكفاءات للبقاء والعمل داخل وحدات التأمين، و
فتح قنوات تواصل مباشرة للمواطنين للشكوى وتقديم الملاحظات، مع ضمان سرعة الاستجابة ، وإعادة النظر في اللوائح المنظمة للعمل داخل التأمين الصحي لضمان مرونة الإجراءات وحماية حقوق المرضى.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض