حكاية وطن
مصر هى أول دولة فى العالم تشكلت فيها حكومة مركزية منظمة، وذلك فى عهد الملك مينا حوالى عام 3200 قبل الميلاد، عندما وحد مملكتى الشمال والجنوب، تطورت الحضارة المصرية وتبلورت مبادئ الحكومة المركزية، وشهدت مصر نهضة شاملة فى شتى نواحى الحياة، وتوصل المصريون إلى الكتابة الهيروغليفية، وأهم الملوك بتأمين حدود البلاد، ونشطت حركة التجارة بين مصر والسودان، واستقبلت مصر عصرًا مجيدًا فى تاريخها عرف باسم حضارة بناة الأهرامات.
قديما كان يتم اختيار الوزير الأول «رئيس الوزراء حاليًا» من طبقة النبلاء أو كبار ضباط الجيش أو القضاء. وعندما قام الملك تحتمس الثالث أحد ملوك مصر والقدماء بتنصيب النبيل «رخمى رع.. وزيرا للملكة المصرية، أوصى الملك وزيره عند تقليده بعدة وصايا مهمة تعكس التقدم السياسى والاجتماعى فى مصر القديمة، واهتمام مصر القديمة واهتمام الدولة المصرية بهذا المنصب منذ القديم، حيث يقول الملك للوزير: «انتبه فإن مسئوليات الوزير ليست بالأمر الهين.. إن منصب الوزير هو عماد الأرض.. والاضطلاع بمهام الوزير ليس تشريفًا، بل تكليف فى غاية الصعوبة والمرارة».
وفى إشارة إلى الفساد والمحسوبية يقول الملك للوزير: «احكم بين الناس بالعدل، واحذر أن تفضل أقاربك على غيرهم فإن الإله لا يرضى بالحيز».
ويكمل الملك خطابه للوزير: «عامل الشخص الذى تعرفه كالشخص الذى لا تعرفه، والشخص القريب منك كالشخص الذى لا تعرفه، والشخص القريب منك كالشخص الذى لا تربطك به صلة قرابة، تلك أوامرى فاعمل بها ولا تحد عنها، وإذا فعلت ذلك سيحالفك النجاح.
وفى إشارة إلى أهمية العدل فى إرساء الحكومة فى الدولة المصرية القديمة قديما يقول الملك: «لا تمر على شاك دون أن تسمع كل ما يرغب فى قوله، ولا تدعه ينصرف فقبل أن يعرف منك أسباب صدور الحكم حتى إذا لم يكن الحكم فى صالحه».
ويفسر الملك للوزير: «لأن حكمة الأسلاف تقول: إن رغبة الشاكى فى أن يسمع صوته فى قاعة العدل أهم عنده من صدور الحكم».
وفى تكملة للوصايا النبيلة من الملك للوزير بشأن الحكم يقول: «لا نبادر بتوبيخ شخص قبل أن نتأكد أنه فعل ما يستحق التوبيخ».
وفى إشارة إلى الوسطية ما بين العدل والحزم يقول الملك تستحمس الثالث للوزير «رخمى رع»: «إياك والتراخى أو التهاون مع المخطئين، كن حازما فى ترصفاتك تكن مهابا بين الناس، فالمهابة من أهم صفات الوزير، ومهابة الوزير تأتى من اقامة العدل وتطبيق النظام».
ويضيف الملك فى وصاياه للوزير «رخمى رع»: «نجاحك مرهون بالعدل والصدق، احرص على أن تأتى أفعالك وفقًا للماعت، فالوزير هو حارس الماعت منذ الزمن الإلهى».
كانت الحكومة المصرية قديمًا من أحسن الحكومات نظامًا، وكانت أطول حياة من أية حكومة أخرى فى التاريخ، وكان الوزير على رأس الإدارة كلها، يشغل منصب رئيس الوزراء، وقاضى القضاة، ورئيس بيت المال، وكان الملجأ الأخير للمتقاضين لا يعلو عليه فى هذا إلا الملك نفسه، وترى الوزير فى نقش على أحد العبور، يخرج من بيته فى الصباح الباكر «ليستمع إلى مظالم الفقراء ويصغى إلى ما يقول الناس فى مطالبهم، لا يميز فيها بين الحقير والعظيم».
على الرغم من تلك الفترة المبكرة فى تاريخ البشرية، فقد بلغ المصريون القدماء حدًا بعيدًا من الوعى السياسى، ومن مظاهر ذلك أنه على الرغم من أن نظام الحكم فى مصر القديمة كان ملكيًا يعطى الملك سلطة إلهية، لم تكن هذه السلطة سلطة مطلقة، بل كانت مقيدة بتحقيق الملك للعدالة بين المواطنين كافة، لذلك تمسك الحكام بتطبيق العدالة وافتخروا بذلك، كما توصلوا إلى مفهوم الدولة المركزية وعلاقتها بالحكومة ومدى ارتباطها بالسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية.
قراءة التاريخ مهمة فى الفترة الحالية لنتعرف على فترة شباب مصر التى تميزت بالاستقرار والأمن والسلام، مما يسر تقدمها اقتصاديا وثقافيا وفنيا، وشهدت مصر خلال الحقبة الفرعونية العديد من مراحل النهضة والتقدم التى تركت إرثًا هائلًا من مظاهر وآثار الحضارة والعمران والعلوم والفنون.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض