قضية ورأى
فى الأول من يناير عام 2002، أى قبل ما يزيد على 23 عاما، كتب أستاذنا الكبير جمال بدوى، مقالا فى جريدة «الوفد» بعنوان «عبدالحميد النحاس».
كان غريبا أن يكون عنوان المقال اسما لشخص، لكنه كان تكريما بديعا من الكاتب الكبير، تذكرته وأنا فى عزاء عبدالحميد النحاس، الأسبوع الماضى.
فقد توفى ولم يشعر به إلا محبوه.. فآفة العلم النسيان، وكذلك الصحافة.
كان أستاذنا الراحل يشير إلى قضية إحدى الفنانات التى اتهمت بتعذيب خادمتها، وفجرها مراسل الوفد فى المنوفية فى ذلك الوقت عبدالحميد النحاس، مدللا على أهمية التواجد الصحفى فى الأقاليم حيث الغالبية العظمى من المصريين المهمشين.
وانتقد بدوى، «المركزية الإعلامية» التى ترى فى القاهرة كل شىء، ولا ترى فى الأقاليم أى شىء عدا حادث جلل كتصادم قطارين أو فاجعة ميكروباص.
فى تلك الفترة كانت الصحافة الورقية هى وسيلة الإعلام الأولى، متجاوزة التليفزيون والراديو اللذين كانا يخضعان لملكية الدولة، ولم يكن هناك برامج «توك شو» ولا مواقع إلكترونية، ولا «بلوجر» و«فلوجر».. فقط «بياع الجرايد».
كان «الفاكس» و«التليفون الأرضى» فى أقسام الاستماع، وأسطوات مواقف الأقاليم، هم أدوات الربط بين الجريدة الأم والمراسلين، لتوصيل الأخبار والصور.. وكانت المهنة شاقة لكنها «متفردة».
..فماذا لو عاش الأستاذ جمال بدوى، ليرى أوضاع الصحافة حاليا؟
فقد تغير كل شىء.
تراجع حاد فى توزيع الصحف الورقية.. قليل من المبيعات وقليل من الاشتراكات وقليل من الإعلانات.
المعلنون باتوا يفضلون المنصات الرقمية مثل فيسبوك، وجوجل، ويوتيوب، التى تقدم لهم بيانات دقيقة عن الجمهور وتكلفة أقل بكثير، ما يترك الصحف الورقية تعانى من فجوة تمويلية ضخمة.
تضخم عالمى دفع أسعار الورق والطباعة والشحن، إلى أرقام فلكية، ما يجعل زيادة المبيعات «زيادة فى الخسارة».. وكذلك تضاعف سعر الدولار ما جعل تكلفة الورق والطباعة فى مصر باهظة.
قراء شباب وكبار، يفضلون الوصول إلى الأخبار عبر الهواتف الذكية.. وهذه الشريحة الكبيرة من الجمهور لا تجد فى الصحافة الورقية وسيلة ملائمة أو جذابة لمتابعة الأخبار، ما يقلل من قاعدة المشتركين عامًا بعد عام.
صحفيون أتعبتهم رحلة البحث عن «لقمة العيش»، وطال بهم انتظار زيادة بدل التدريب والتكنولوجيا، مقابل أرباح طائلة لصناع المحتوى.. محتوى هابط أم صاعد لا يهم.
ثمة فريق من الصحفيين والمحللين، يرون أن الصحافة الورقية لن تختفى تمامًا، لكنها ستتحول إلى منتج خاص وفاخر يخدم شريحة محددة من القرّاء، مثل المثقفين، والأكاديميين، ومحبى القراءة التقليدية.. ويشبّه البعض هذا التحول بما حدث فى صناعة الكتب الورقية، التى لم تختف رغم ظهور الكتب الإلكترونية.
فى اليابان، لم تتخل الحكومة عن دعم هذا القطاع، بل سعت لحمايته بوصفه جزءًا من الأمن المعلوماتى والثقافى.. رغم التقدم التكنولوجى الهائل.
ولم تعارض الصحف اليابانية التكنولوجيا، بل استفادت منها، إذ طورت معظم الصحف اليابانية تطبيقات رقمية متميزة، لكنها لم تتخلَّ عن النسخ الورقية، بل جعلت منها عنصرًا تكميليًا يعزز مكانتها كمصدر موثوق وذى مصداقية.
فقط تحمل المسئولية، سواء من الدولة أو الصحفيين أنفسهم.
فالدولة مطالبة بدعم الصحافة، وكذلك الصحفيون مطالبون بتحقيق الشفافية فى مصادر التمويل والدخل وقيد الصحفيين فى النقابة والصحف.
وإلى أن يحدث ذلك، سنظل نعانى.
الصحافة الورقية ليست مجرد أوراق مطبوعة، بل تمثل تاريخًا طويلًا من التوثيق، والرقابة، والرأى العام.. وحمايتها مسئولية الجميع، لأن البديل هو فوضى معلوماتية ستحرق الجميع.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض