رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

كبسولة فلسفية


أنهينا مقالنا السابق – «الاستشارة الفلسفية: دعوة لخروجك من التعاسة والكآبة» – بالتساؤل: هل يمكن للفلسفة، بهذا الشكل، أن تكون بديلًا للعلاج النفسي؟ وقد تبيَّن لنا أن الإجابة عن هذا التساؤل تتطلب أولًا توضيح هدف الاستشارة الفلسفية، ومن خلال ذلك يمكننا الوقوف على إجابة دقيقة لتساؤلنا.
عزيزي القارئ، إنّ الهدف من الاستشارة الفلسفية لا يتمثّل فقط في حلّ المشكلات أو تحقيق الراحة النفسية، بل يتجاوز ذلك إلى السعي نحو الحكمة، والوصول إلى فهم أعمق للحياة. فهي تهدف إلى تمكين الأفراد من التفكير بوضوح وعمق في قضاياهم الشخصية والوجودية، وذلك من خلال أدوات الفلسفة، مثل التحليل المنطقي، والتساؤل النقدي، واستكشاف الافتراضات الكامنة.
ما نرمي إليه هو أنّ الاستشارة الفلسفية تُعين المسترشد على ما يلي:
• فَهم ذاته وموقعه في العالم بشكل أعمق.
• تطوير رؤى فلسفية حول مفاهيم مثل المعنى، والقيمة، والغاية.
• تعزيز قدرته على اتخاذ قرارات نابعة من تفكير عقلاني ومدروس.
• التحرّر من الأفكار أو المعتقدات غير المفحوصة التي قد تكون مصدرًا للمعاناة أو التشتّت.
وبذلك، فهي لا تسعى فقط إلى «علاج»، بل تهدف أيضًا إلى تنمية وتوسيع أفق الفرد نحو حياة أكثر انسجامًا واتّزانًا فلسفيًا.
ويكمن هدف الاستشارة الفلسفية في ما هو أبعد من حلّ المشكلة الآنية لدى المسترشد؛ إذ تسعى إلى تثقيفه وتدريبه على أساليب أكثر فاعلية في التفكير، بحيث يتمكن من مواجهة المشكلات المستقبلية بطريقة مستقلّة. وماذا عن أنواع الاستشارة الفلسفية؟
الاستشارة الفلسفية ذات النطاق الضيّق (Narrow-Scope Philosophical Counseling): يُستخدم مصطلح الاستشارة الفلسفية ذات النطاق الضيّق للإشارة إلى أولئك الذين يتعاملون مع قضايا تقع عادةً خارج نطاق العلاج النفسي، وضمن نطاق الفلسفة، كالمسائل الأخلاقية، والميتافيزيقية، والسياسية، والمنطقية.
قد يلجأ العميل إلى الاستشارة الفلسفية لمواجهة مشكلة عملية، مثل معضلة أخلاقية في مجال العمل. كما قد يسعى للحصول على استشارة لمناقشة قضايا معرفية أو رؤيوية أو مفهومية، مثل: "ما الذي يضفي الكرامة على الحياة؟" أو "ما الذي يجعل الحياة ذات قيمة؟"، أو قد يرغب ببساطة في تعلّم طرق التفكير الفلسفي ليتعامل بها مع مشكلاته المستقبلية. ويُولَى اهتمام خاص في هذا النوع من الاستشارة بالعلاقة بين الأفكار الفلسفية – مثل تلك المتعلّقة بطبيعة الحرية، أو أخلاقية الكذب، أو معنى الحب – وبين وضع العميل الحياتي والوجودي. وأكثر حكمة.
الاستشارة الفلسفية ذات النطاق الواسع :(Broad-Scope Philosophical Counseling) وعلى النقيض من النوع السابق، يُستخدم مصطلح الاستشارة الفلسفية ذات النطاق الواسع للإشارة إلى المستشارين الذين يتعاملون مع قضايا تُعدّ تقليديًا من اختصاص العلاج النفسي، مثل مشكلات العلاقات الشخصية، أو الأزمات الحياتية، أو التعايش مع القلق أو الاكتئاب.
وقد أشار مارينوف (1995) إلى أنه: "إذا طلب شخص ما استشارة أخلاقية [فلسفية]، ولم يكن لدى المستشار ما يدعوه للاعتقاد بأن المشكلة ناتجة عن خلل فيزيولوجي أو عصبي-نفسي، فإن المستشار سيتعامل مع المشكلة على أنها قابلة للحل ضمن بُعد أخلاقي بحت. وفي السياق ذاته، أكّد رأبِه (Raabe, 1999) على أن "نية المستشار الفلسفي هي مساعدة عميله في الوصول إلى أي هدف معقول ومسموح به أخلاقيًا يحدده لنفسه".
وأخيرًا، التقنيات والأساليب الفلسفية في الاستشارة الفلسفية :(Philosophical Techniques and Methods) يختلف المستشارون الفلسفيون أيضًا في الأساليب التي يستخدمونها أثناء الجلسات. فبعضهم يطبق نهجًا قريبًا من الأساليب النفسية غير التوجيهية، حيث يركّزون على أهمية الاستماع للآخرين ومنحهم مساحة للحديث والتعبير بحرية. بينما يتبع آخرون أسلوبًا أكثر توجيهًا، يشبه ما يُعرف بالعلاج المعرفي أو علاج السلوك العقلاني-الانفعالي، حيث يتم تحديد الافتراضات غير العقلانية التي يتبناها العميل ومواجهتها.
وعادةً ما يعبّر المستشارون الفلسفيون عن تدخلاتهم بلغة فلسفية، إذ يزوّدون عملاءهم بمحتوى فلسفي (قد يتضمن مفاهيم، تمييزات، مناهج، افتراضات، وما إلى ذلك)، وغالبًا ما يكون ذلك في شكل واجبات منزلية تتضمن قراءات فلسفية مختارة. ويركز بعض المستشارين على فيلسوف بعينه أو على نهج فلسفي محدد في ممارستهم. 
ومن هنا، فإن الاستشارة الفلسفية ليست مجرد نشاط عقلي نظري، بل هي انخراطٌ عميقٌ في الحياة النفسية للفرد، مما يمنحها بُعدًا علاجيًا لا يقلّ عمقًا — وإنْ اختلف في منهجه — عن العلاج النفسي التقليدي.

[email protected]