قضية ورأي
حالة جمود طويلة تعيشها القرى المدرجة فى المرحلة الثانية لمبادرة «حياة كريمة». فمنذ سنوات وبأوامر من مجلس الوزراء، لا رصف ولا كهرباء ولا غاز ولا مشروعات جديدة إلا مع بدء المرحلة الثانية من المبادرة والتى يتكرر تأجيلها عاما بعد آخر.
إذن، ماذا يفعل المواطن؟
وفى خضم التأجيلات، تظهر مشاكل تليها مشاكل، ثم تعقيدات، كان آخرها حرمان المواطنين على أطراف القرى من توصيل العدادات الكودية من أعمدة الإنارة العامة رغم أن تغذيتها تتم من محولات تابعة لشبكات الإنارة المنزلية.
مئات وربما آلاف المنازل، لفلاحين بسطاء، تطالبهم شركات التوزيع، بشراء أعمدة بمبالغ تدور حول 20 ألف جنيه للعامود الواحد، بعد إلغاء «الممارسات».
ولا أعرف حقيقة هل هذه سياسة عامة لشركات الكهرباء، تقوم على بيع أكبر كم من أعمدة الإنارة، كأنها تجارة، وعدم الاكتفاء ببيع الكهرباء؟
لا شك أن ملف البناء المخالف أحد أكثر الملفات الشائكة والمعقدة فى مصر، إذ تراكمت عبر العقود الماضية ملايين المخالفات التى أسهمت فى خلق بيئة عمرانية غير آمنة، وعجزت عن تلبية متطلبات الحياة الكريمة للمواطنين، فضلًا عن استنزاف موارد الدولة وتآكل الرقعة الزراعية.
لكن ما دامت الدولة قننت الأوضاع وتنفذ مصالحات، فلماذا تصعب على المواطنين عيشتهم؟
قبل سنوات، وفى محاولة لحل المشكلة جزئيًا، لجأت وزارة الكهرباء إلى نظام العدادات الكودية، وهى عدادات مؤقتة غير مرتبطة بعقد ملكية، تُركب فى الوحدات المخالفة التى يصعب إزالتها، بهدف حصر الاستهلاك ومنع سرقة التيار.
هذا النظام بدأ تطبيقه بقرارات وزارية منذ 2014، ثم توسع بعد 2020، خاصة بعد فتح باب التصالح فى مخالفات البناء، حيث سُمِح بتقديم طلبات عداد كودى شرط إثبات الإقامة وعدم وجود نزاع قانونى.
ورغم أن العداد الكودى لا يُعتبر اعترافًا قانونيًا بالمبنى، إلا أنه يُمثل حلًا وسطًا بين الحظر المطلق والتوصيل العشوائى، لكنه أثار هو الآخر تساؤلات حول ما إذا كانت الدولة تُقنن الواقع بدلًا من تغييره.
حتى الطرق العامة الحيوية، فى بعض المناطق، ممنوع إنارتها إلا مع «حياة كريمة».
وماذا بعد؟
منطقى أن الدولة تلبى احتياجات المواطنين الذين يعيشون بالفعل داخل تلك المبانى، ما دام توصيل التيار سيتم فى إطار القانون، ومادامت أعمدة الإنارة العامة مغذاة من محولات الشبكات المنزلية.. لكن ما ليس منطقيا هو تحول شركات التوزيع إلى كيانات تجارية بحتة وليست خدمية.
أتمنى أن يهتم الدكتور محمود عصمت، وزير الكهرباء والطاقة المتجددة، بهذة الشريحة من المواطنين، لأن غالبيتهم فلاحون بسطاء، لا يقوى أحدهم على شراء خمسة أو ستة أعمدة مقابل 100 ألف جنيه لتوصيل الكهرباء إلى منزله رغم أن أعمدة الإنارة العامة تمر أمامه، وتغذيها محولات الشبكات المنزلية.. وهذا هو روح القانون إذا كنا فعلا نريد ترسيخ مفهوم الجمهورية الجديدة التى تقوم على تحقيق حياة كريمة للمواطن دون الإخلال بالقانون.
مهمتنا حكومة ومعارضة أن نحافظ على الوطن وعلى أبناءه وعلى موارده.. لا أن نصبح منفرين، ونصدر صورة عن قطاعات الدولة مضمونها «حكومة الجباية من الفلاحين».