عصر ما يطلبه الترند
حين كان البرنامج ضيفًا نحتفى به ونستعد لاستقباله
فى زمنٍ ليس ببعيد، كان للبرنامج التليفزيونى هيبة، وكان له موعد يُنتظر. لم تكن القنوات بالعشرات، ولا البرامج بالمئات، «كما الحال الآن»، ومع ذلك كنا نتجمع حول شاشة صغيرة، نحبها ونحترمها، لأنها كانت تقدم لنا ما نحتاجه من معرفة ودهشة وتسلية وعُمق.
كنا ننتظر برنامجًا كما ننتظر ضيفًا عزيزًا لا يأتينا كل يوم. كنا نحسب الأيام لنشاهد «جولة الكاميرا»، ونترقب بإعجاب وتأمل «العلم والإيمان» للدكتور مصطفى محمود، ذلك البرنامج الذى جعلنا نحب العلم والفلسفة ونتأمل فيما وراء الكون.
كنا نغوص فى أعماق المحيطات مع الدكتور حامد جوهر فى «عالم البحار»، بصوته الهادئ وثقافته الموسوعية.
نتعلم الأخلاق والسلوكيات والمهنية فى برنامج «سلوكيات» مع الإعلامية الراقية ملك إسماعيل.
نُصغى لتأملات الشيخ محمد متولى الشعراوى فى «خواطره» وكأننا فى حضرة روحانية تجمع بين الفهم والبصيرة.
نتابع تفاصيل الأرض والزراعة والعطاء فى «سر الأرض»، البرنامج الذى كان بسيطًا فى مظهره، عميقًا فى رسالته.
كنا ننتظر «نشرة التاسعة» بكل ما تحمله من جدية، ونتابع برامج مثل «نادى السينما»، و*»اخترنالك»، و»أوسكار»*، التى كانت تمثل نافذة على روائع السينما المصرية والعالمية، مع تعليق محترم يعلى من قيمة الفن.
لكن لم يكن الأمر مقتصرًا على الترفيه والمعرفة العامة فقط، بل امتد إلى الوجدان والذوق الفنى.
كنا نتابع برنامج «الموسيقى العربية» للدكتورة رتيبة الحفنى، بكل ما فيه من رقى وتحليل موسيقى وتوثيق لتراثنا الغنائى.
وكنا نتعرف على روائع الموسيقى الكلاسيكية العالمية من خلال البرنامج الراقى الذى قدمته الرائدة الدكتورة سمحة الخولى، تلك السيدة التى زرعت فى أجيال حب بيتهوفن وباخ وموزارت بأسلوبها العذب العميق.

ولا ننسى برنامج «حياتي» للاعلامية الكبيرة فايزة واصف، الذى كان يتناول مشاكل الأسرة المصرية، بجرأة واحترام، ويطرحها للنقاش الواعى دون إسفاف، فى زمن كانت فيه الأسرة والمجتمع وحدة واحدة لا تفككها الشاشات.
كل برنامج من هؤلاء لم يكن مجرد مادة إعلامية، بل كان حالة وجدانية، موعدًا للالتقاء، نقطة ضوء فى يومنا.
لم تكن مشاهدته ترفًا، بل عادة محببة، واستثمارًا فى الوعى والذوق والانتماء.

واليوم؟
لدينا أكثر من 50 قناة، وما يزيد على 500 برنامج... ولكن ما هو البرنامج الذى نحبه؟ الذى ننتظره؟ الذى نحزن إن فاتنا؟
أصبحنا أمام زحام بصرى وإعلامى هائل، تتشابه فيه الوجوه، وتُكرر فيه الصيغ، وتُختصر فيه الفكرة لحساب «التريند» و«الإعلان».
المشكلة ليست فى كثرة القنوات، بل فى ضياع القيمة.
برامج اليوم – إلا من رحم ربى – تتسابق لإرضاء السوشيال ميديا لا لخلق ذائقة، تنجرف نحو الإثارة لا الإثراء، نحو الصوت العالى لا الصوت العاقل.
غابت البرامج التى تُربينا، التى تُضيف لنا، التى تُعلمنا كيف نُفكر، لا ماذا نفكر.

أين البرنامج الذى ننتظره الآن؟
أين هو ذلك الموعد الذى نكتبه فى مفكرتنا، ونجهز له كوب الشاى، ونُسكت الضجيج من حولنا احترامًا له؟
أين هو البرنامج الذى نذكره بعد عشرين سنة، ونقول لأبنائنا: «كنا ننتظر هذا البرنامج...»
نحن لا نطلب المعجزة. فقط نطلب أن يعود إلى الشاشة برنامج واحد، واحد فقط، تُصنع فيه الحلقة كما تُكتب القصيدة، ويُقدَّم كما تُلقى خطبة فى محراب.
نحن ننتظر من يُعيد للبرنامج هيبته، وموعده، ودهشته...
ننتظر أن ننتظر.

فى الماضى كنا نُعد للسهرة كما تُعد الأسر احتفالًا صغيرًا...
نُطفئ الأضواء، ونرفع صوت التليفزيون قليلًا، ونصمت احترامًا لما نراه ونسمعه.
كان البرنامج المنتظر طقسًا جماعيًا، لا يجرؤ أحد على مقاطعته، وكثيرًا ما كنا نؤجل الزيارات العائلية، أو نعتذر عن عدم الخروج، فقط لأن موعد «برنامجنا المفضل» قد اقترب.
لم يكن مجرد عرض تليفزيونى... بل كان موعدًا إنسانيًا له طقوسه.

الآن لم يعد لدينا أدنى حرص أو شغف لمتابعة أى برنامج لم يعد لدينا مذيع مفضل، فى الماضى البرامج كانت تحمل الاسم والمعنى، الآن تحمل اسم مقدميها، فأصبحت البرامج لا اسم ولا معنى....
فى زمن ليس بعيدًا، كان الإعلام جزءًا من ضمير المجتمع، وكان مقدم البرنامج لا يُملى وجهة نظره على الضيف، ولا يُسمح له أن «يفرض» رأيه فى الحوار، لأنه ببساطة شديدة كان حياديًا، مدركًا أن دوره ليس قيادة الرأى العام بل تقديم الواقع كما هو، بكل أمانة ونزاهة.
كانت القضايا التى تمس الشارع وسلوكياته وهمومه هى الأولوية المطلقة، وكان المسئول وقتها يستقبل هذه القضايا والأسئلة بصدر رحب، لأنه يعلم أن مقدم البرامج لا يستخدم الشاشة منصة للضغط أو التشويه أو التأثير، بل وسيلة للربط بين المواطن والمسئول، بين هم الناس وصوت الدولة.
ثقافة المواطن كانت تحظى باهتمام حقيقى من القناتين الرئيستين، ولم يكن هناك هذا الزحام من القنوات، لكن كانت هناك جودة وتميّز وتنوّع، وكان هناك تقدير حقيقى لذكاء المشاهد.
كان هناك اهتمام ببرامج التوعية، مثل حملات تنظيم الأسرة الشهيرة التى تعرفنا عليها من خلال شخصية «حسنين ومحمدين»، وحملات النظافة الشخصية ونظافة الشوارع التى نذكر منها إعلان «دى زبالة يا جاهل»، وحملة «لازم نحطم معلش» التى جاءت كمواجهة ثقافية لموروث الاستسلام.
كل هذه الحملات لم تكن عبئًا على المشاهد، بل كانت تُقدم فى قالب لطيف أحبه الناس، وتسللت إلى الوجدان الجمعى للمصريين. حتى الإعلانات الخاصة بالسلع، كانت أعمالًا فنية صغيرة، تعتمد على الأغنية واللحن، ونقلات المزاج، فكانت تعيش فى الشارع وتُردد فى الحافلات والمقاهى والمدارس، ونذكر منها:
إعلان «البركة فى ريرى»
«سلام عشان خضر العطار» الذى غناه أحمد عدوية، وكان يدمج الطرافة بالإقناع، ويُجسّد كيف يكون الإعلان خفيفًا ومؤثرًا دون أن يكون فجًّا.
أما الإذاعة، فكانت شخصية مستقلة، لها طابعها وقوتها، ولها جمهورها العريض. كانت رفيقة الوجدان الجمعى، والذوق العام. من برامج «بالسلامة يا حبيبى» و«عشانك يا مصر»، إلى برامج «تسالى إيناس جوهر»، و«الشارع الغربى»، وتحليلات فهمى عمر لمباريات الدورى فى خمس دقائق فقط.
كانت هناك شخصيات صوتية أثّرت بعمق، مثل «همسة عتاب» الذى كان يُقيم أداء الجهاز الإدارى للدولة بطريقة ساخرة، و«أبلة فضيلة» وحكاياتها وأغانيها للأطفال، و«كلمتين وبس» لفؤاد المهندس الذى كان يُقدم الحكمة فى سطور، وبرنامج «زيارة لمكتبة فلان»، و«ما يطلبه المستمعون» الذى عكس الذوق الشعبى للمستمعين بكل تنوعاته.
وكان المذيع شخصًا يحمل مقومات لا تُخطئها الأذن أو العين،
ثقافة عامة رصينة
ثروة لغوية حقيقية
نطق سليم ومخارج حروف لا غبار عليها
لغة عربية سليمة، لا يُمكن أن تجد بها خطأ واحدًا
وأداء لا يقوم على استعراض الذات، بل على خدمة الفكرة والضيف والمحتوى
كان المذيع قارئًا، مثقفًا، مُدركًا لقيمة الكلمة، لا يُكرر ما يردده الضيوف أو ينقل ما تكتبه المراكز، بل يصنع رأيه من خلال ثقافته وخبرته.
وإذا كانت التكنولوجيا قد تقدمت، والإمكانيات تضاعفت، فإن السؤال اليوم: لماذا لم يتقدم المضمون؟ لماذا تراجع الحس الاجتماعى فى الإعلام؟ لماذا أصبح المذيع نجمًا على حساب الرسالة؟ لماذا نادرًا ما نجد مذيعًا يُخاطب الناس بلغة راقية دون تعالٍ، ويطرح القضايا دون إثارة زائفة؟
الإجابة فى غاية البساطة: لأن الإعلام لم يعد ـ عند البعض ـ مرآة للناس، بل مرآة للمذيع ذاته، يتزين بها أمام الكاميرا، ويُردد من خلالها ما يريد هو، لا ما يحتاجه المواطن.
نعم، كانت هناك لحظات ذهبية فى تاريخ الإعلام المصرى، ليس لأنه بلا أخطاء، ولكن لأنه كان يحترم قواعد المهنة، ويحترم ذكاء الناس، ويحترم اللغة، ويحترم الرسالة.
فهل نُعيد النظر؟
هل نُعيد للمهنة بهاءها؟
هل نُعيد للمشاهد ثقته؟
هل يعود المذيع إلى وظيفته الأولى: طرح السؤال لا الإجابة عنه؟
وتقديم الواقع لا تزييفه؟
وعكس هموم الناس لا تقديم نفسه كبطل وهمى على حسابهم؟
الإعلام مرآة... فلنجعلها تعكس الحقيقة، لا الوهم.
وفى النهاية هل اصبح لدينا برنامج واحد "نظرة"؟هل لدينا قناة بها قدر من التنوع والثقافة التى تعكس قضايا المجتمع؟ القناة الوحيدة التى تصنع ذلك هى ماسبيرو زمان، لأنها تعتمد على الماضى بكل ما فيه من كنوز.