رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

فى تلك اللحظة التى مرت فيها مصر بمرحلة فارقة فى ظل التحديات الجسيمة التى تواجهها والظروف والأزمات الجيوسياسية والاضطرابات فى المنطقة والحدود الملتهبة من كل اتجاه، تأتى انتخابات مجلس الشيوخ ذلك الاستحقاق الانتخابى الدستورى المهم للغاية لتؤكد أن مصر ستظل بلد الأمن والأمان والاستقرار وقادرة على مواجهة أى تحديات اقتصادية أو سياسية أو اجتماعية والعبور إلى بر الأمان، وذلك لا يتأتى من فراغ بل هناك أسباب رئيسية تتمثل أبرزها فى تماسك الجبهة الداخلية ووحدة الشعب المصرى العظيم وتكاتفه خلف القيادة السياسية ومؤسسات الدولة بما يعزز جهود الحفاظ على الأمن القومى المصرى.
ومنذ أيام أعلنت الهيئة الوطنية للانتخابات الجدول الزمنى لانتخابات مجلس الشيوخ وتم فتح باب الترشح من السبت 5 يوليو حتى الخميس 10 يوليو الجارى، وبالتزامن مع ذلك اجتمعت القوى والأحزاب السياسية المختلفة سياسياً وفكرياً وأيديولوجيا على أرضية ومساحة مشتركة وتوافقت على تشكيل تحالف انتخابى ضم 12 حزباً بالإضافة إلى تنسيقية شباب الأحزاب والسياسيين، فى صورة تعكس التوافق الوطنى وإدراك أهمية المرحلة الفارقة فى عمر الوطن التى تقتضى ضرورة التفاهم والعمل المشترك لأجل تحقيق الصالح العام للوطن والشعب المصرى العظيم.
فى السياسة، هناك لحظات فارقة تُجبر الجميع على مراجعة أولوياتهم، والبحث عن أرضية مشتركة، مهما اتسعت الفجوات الفكرية بينهم، ولعل ما نشهده اليوم فى مشهد تحالف الأحزاب المصرية داخل «القائمة الوطنية من أجل مصر» استعدادًا لانتخابات مجلس الشيوخ 2025، هو أحد هذه اللحظات التى تُعيد تعريف السياسة، ليس كصراع صفرى، بل كمسؤولية وطنية تتجاوز المكاسب الآنية.
اجتماعات مطولة، نقاشات حقيقية، ووجوه حزبية مختلفة تلتقى على طاولة واحدة، فى مقر «مستقبل وطن» ثم «حماة الوطن»، بهدف واحد: كيف نصل إلى قائمة موحدة تعبر عن التعددية الحزبية بكل ما تحمله من معانى التنوع الفكرة والإيدولوجى، وتحمل على عاتقها أمانة التمثيل فى غرفة برلمانية لا تقل أهمية عن مجلس النواب؟.. هذه المشاهد قد لا تبدو مثيرة للبعض، لكنها تعنى الكثير لمن يقرأ المشهد السياسى بعيون تبحث عن التحول، لا الجمود.

فمن المؤكد أن اجتماع أحزاب مثل «الوفد»، و«المصرى الديمقراطى»، و«مستقبل وطن»، و«لعدل»، و«التجمع»، و«تنسيقية شباب الأحزاب»، وغيرهم، أمر ليس سهلا ولا تقليديا أو معتادا فى المشهد السياسى المصرى، نظرا لوجود تباين حقيقى فى الرؤى والتوجهات، لكن ما يحدث اليوم يؤكد أن الجميع يتحرك من أجل هدف واحد هو مصلحة الوطن، لذلك نحن أمام تجربة تستحق التوقف، لأنها تعنى ضمنا أن الأحزاب – على اختلافها – بدأت تدرك أن الصراع وحده لا يصنع ديمقراطية، وأن الصوت المختلف ليس بالضرورة صوتا معاديا، ولكن يمكن أن يكون شريكا فى صياغة الحل.
لذلك فإن التفاهم الذى بدا واضحا فى التوافق على المعايير، وتشكيل اللجان، ووضع خطة دعائية جماعية، هو فى حد ذاته مؤشراً على أن السياسة المصرية قادرة على أن تنتج أدوات تفاهم جماعى، بعيدا عن فكرة الصوت الواحد أو الهيمنة الحزبية، وربما لا نبالغ إذا قلنا إن هذا التحالف الانتخابى جاء فى توقيت بالغ الحساسية، خاصة أنه تحالف متعلق بمجلس له خصوصية كبيرة.. فمجلس الشيوخ ليس جهة تشريع مباشر، لكنه صوت العقل والخبرة والتوازن فى لحظة تزداد فيها تعقيدات الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
ولمن لا يعلم أو يختلط عليه الأمر فى التفرقة بين دور مجلسى النواب والشيوخ، فالأخير معنى بطرح الأسئلة التى يتجاهلها صخب البرلمان أحيانا، وبصياغة وجهة نظر متعمقة فى قضايا مثل السياسات العامة، الاتفاقيات الدولية، الاستراتيجيات طويلة المدى... وهو بالتالى يحتاج إلى عناصر تمتلك الحكمة، وخبرات حقيقية، ومن هنا تأتى أهمية أن تفرز «القائمة الوطنية» نخبة حقيقية، تُضيف للمجلس وزنا وليس فقط عددا، وتُعيد للمواطن الثقة فى جدوى الغرفة الثانية.
كل هذا الجهد السياسى سيظل منقوصًا إذا غاب الجمهور، لذلك فإن المواطن هنا ليس متفرجا، بل شريك فى التكوين والشرعية.. وأخطر ما يواجه أى تجربة ديمقراطية هو ضعف المشاركة، أو انعدام الثقة، لذلك إذا أراد المصريون مجلس شيوخ يعبر عنهم، فعليهم أن يشاركوا وينزلوا بكثافة وقوة للتصويت فى الانتخابات وإبداء الرأى، وأن يختاروا من يجدوه مناسبا لهذه المسؤولية، بالمشاركة فى الانتخابات واجب وطنى ومسئولية على كل فرد.
ولا يكفى أن نحمل الأحزاب مسئولية تقديم الأفضل، بل يجب أن يتحمل الناخب أيضا مسئوليته الكاملة عن اختياراته، فكل صوت يُهمل هو فرصة ضائعة لبناء مؤسسة حقيقية، وكل مشاركة واعية هى خطوة على طريق التغيير الجاد، حتى وإن بدا الطريق طويلا أو شاقا.
والحقيقة أن أكثر ما يلفت الانتباه فى هذا المشهد أيضا هو أن السياسة بدأت تستعيد معناها كـ«فن الممكن»، وكأداة لإدارة التنوع لا إنكاره، فمسألة أن يتوافق 13 كيانا سياسيا على قائمة واحدة، وأن تحاول إيجاد حد أدنى من التفاهم، يعنى أن لدينا بذورا لحياة حزبية ناضجة – تحتاج فقط إلى من يسقيها بالصبر والوعى والتجربة، صحيح أن الاختلافات الفكرى والأيدولوجية موجودة، والمصالح لا تختفى، لكن هذا لا ينفى أن ما يحدث هو فرصة لإعادة بناء الثقة، وتقديم نماذج حزبية جديدة، قادرة على مخاطبة الناس بلغة مختلفة عن لغة الشكوى والصدام الدائم.
وربما ما زالت الحياة الحزبية تحتاج إلى إصلاحات هيكلية عميقة، لكن التجربة الحالية للقائمة الوطنية تقدم نموذجا يمكن تطويره، وتوسيعه، وتحويله إلى مدرسة فى العمل السياسى المشترك.. لذلك فإن الكرة الآن فى ملعب الجميع: الأحزاب التى يجب أن تلتزم بما وعدت به من معايير، والمواطن الذى يجب أن يجب أن يلتزم بحقه الدستورى فى المشاركة، والدولة التى يجب أن تضمن نزاهة وشفافية المناخ الانتخابى، دون تمييز أو تدخل.