رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د.عبد السند يمامة
رئيس مجلس التحرير
سامي أبو العز
رئيس التحرير
ياسر شورى

شاركوا فى الحياة الثقافية المصرية منذ قرنين

الإيرانيون فى مصر

بوابة الوفد الإلكترونية

أسسوا سبع مجلات وعملوا فى ٢٢ حرفة واهتموا بالتجارة

مصر استوعبت الإيرانيين بكافة انتماءاتهم وطموحاتهم

 

بين قرب وبعد، شدة وانفراجة، شهدت العلاقات المصرية الإيرانية عدم ثبات واضح الملامح على مدار عشرات السنوات، على الرغم من المواقف السياسية الإيجابية الكثيرة فى تاريخ العلاقات بين البلدين، وربما يتساءل الكثيرون عن السبب الأوضح لذلك التباين فى العلاقات.. 

يمكننا الجزم بأن هناك أسبابا بعيدة عن المواقف السياسية، ترتبط فى مجملها بالاختلاف الواضح بين الشعبين، فى الانتماء المذهبى، فمسلمو مصر سنيون، رافضون لكثير من أفكار الشيعة كمذهب أساس فى إيران، وهو ما خلق هوة سحيقة عرفت طريقها بين الشعبين، حيث أخفقت كل محاولات نشر الفكر الشيعى فى مصر على مدى تاريخها الحديث، حيث يرى الدكتور سعد الدين إبراهيم فى كتابه «الملل والنحل والأعراق» أنه وعلى الرغم من الجذور الفاطمية للمصريين، وحبهم الشديد لـ«آل البيت»، ومكانة «سيدنا الحسين» و«السيدة زينب» لديهم، وعشقهم الخاص «الصوفى» للسيدة نفيسة، فإن المذهب الشيعى كفكر وممارسة لم يجد أرضًا يقف عليها بمصر، يرجع ذلك لبعض الممارسات الشيعية الغريبة عن عقيدة المصريين. 

وعلى الرغم من ذلك التباين، إلا أن هناك مشتركات ثقافية كثيرة بين الشعبين، وتاريخا لا يمكن تغافله، دارت تفاصيله على أرض مصر، عبر قرنين من الزمان، ويمكننا التعرض لتلك المشتركات فى السطور التالية: 

* جذور تاريخ العلاقات المصرية الإيرانية:

يعود تاريخ العلاقات المصرية الإيرانية فى العصر الحديث إلى القرن التاسع عشر حيث وقعت اتفاقية «أرضروم» بين الدولة القاجارية الإيرانية والدولة العثمانية والتى جاء فيها أن الدولة الإيرانية تستطيع تأسيس قنصليات لها فى الولايات العثمانية فتم افتتاح قنصلية لرعاية المصالح الإيرانية فى القاهرة، وكان أول سفير إيرانى فى مصر هو حاجى محمد صادق خان. وقد أعقب ذلك توقيع اتفاقات صداقة بين البلدين فى العام 1928. وكان تطورا جديدا فى العلاقات بزواج يقرب بين العائلتين الملكيتين فى الدولتين، حيث تزوجت الأميرة فوزية - شقيقة الملك فاروق الأول - من ابن الشاه الإيرانى محمد رضا بهلوى. 

* الإيرانيون فى مصر والمشترك الثقافى

عن حوليات المؤرخ المصرى التى تصدرها كلية الآداب جامعة القاهرة، صدرت دراسة (الإيرانيون فى مصر 1875-1929) للدكتور محمد رفعت الإمام. وتعد هذه الدراسة أول دراسة باللغة العربية تتناول أوضاع الإيرانيين فى مصر فى تلك الفترة. 

استخدمت الدراسة ثلاثة مصطلحات فى آن واحد لتوصيف الإيرانيين فى مصر وهى: (فرس وعجم وإيرانيون). وركزت الدراسة على استخدام مصطلح «إيرانيون» على عكس مصطلحى «فرس» و«عجم» اللذين حملا توجهات سياسية وفكرية وفروقات عرقية. 

اندفع الإيرانيون إلى مصر شأن كل الأجانب لقطف ثمار التحديث، وإحراز مكاسب مالية جراء استثمار الحرية الاقتصادية التى هيمنت على السوق المصرية آنذاك. وفوق ذلك، ظهرت البابية فى إيران، ودخلت فى حرب ضروس مع النظام القاﭽارى الحاكم هناك، ونجم عن هذه المواجهات فرار بعض الإيرانيين البابيين مع تجار السجاد إلى مصر عند مطلع خمسينيات القرن التاسع عشر. وفى عام 1868، تحولت «البابية» إلى «البهائية». وفى خلال ذلك استقبلت مصر قطاعات إيرانية إما منفية أو مهاجرة بإرادتها.

ورغم دخول الإيرانيين مصر فقد تشبثوا بهويتهم المكانية، وكذلك يُلاحظ أن معظم أسماء الإيرانيين فى مصر تنتهى بالانتساب إلى بلاد الفرس أو العجم كميرزا حسن على الإيرانى، وحسن بك الإيرانى، ووردة توما العجمى، والحاج سيد بردجردى الفارسى. وفى هذا السياق تداخلت الأدبيات المصرية مسميات فرس وعجم وإيرانيين، ولم يقتصر هذا التضارب على النصوص الرسمية والأدبيات المصرية فقط، بل امتدت عدواهما إلى الأدبيات التى كتبها إيرانيون على صفحات الجرائد باللغة العربية. ولكن لوحظ عموما استخدام «إيرانى» فى النصوص الرسمية، واستخدام «عجمى» فى توصيف المنتجات والجنس لاسيما فى التعدادات المصرية، واستخدام « فارسى» فى النواحى الحضارية والثقافية والقومية. 

* حرف ومهن الإيرانيين بمصر

وتعد الجالية الإيرانية فى مصر عموما من أصغر الجاليات سواء كانت غربية أو شرقية ولم تتعد الألفى نسمة. خلال تلك الفترة (1875-1929)، مارس الإيرانيون بحرية تامة جميع الأنشطة الاقتصادية المتاحة فى مصر. ففى ميادين الحرف، مارس الإيرانيون «22» حرفة واضحة المعالم فى مصر حسب التعداد الرسمى لعام 1897، تنوعت ما بين حرف يدوية (حلوانى وجزمجى وخياط وصايغ ونقاش... إلخ). كما عمل (81) إيرانيا فى المصالح والدواوين المصرية لا سيما فى وزارات الزراعة والتعليم وغيرها. وفى ساحة المهن الحرة مارسوا مهن «المدرس»والطبيب» و» المهندس» و» الترجمان».

* مساهمات إيران فى الثقافة المصرية

نظرا لسيطرة الطابع التجارى على الجالية الإيرانية، فإنها أولت عناية محدودة للأمور الثقافية والفكرية، وانحصر فى أعداد هامشية لا تتعدى الأفراد. ففى مطبعة بولاق الحكومية أسهم إيرانيو مصر العاملون بالمطبعة فى تصميم وإخراج وطباعة الكتب الفارسية سواء كانت مدرسية أو فكرية. كذا، أسهم بعض أثرياء الإيرانيين فى تزويد «الكتبخانة المصرية» بأمهات الكتب سواء كانت باللغة الفارسية أو كتبها إيرانيون بلغات أخرى لا سيما العربية. 

* مجلات إيرانية بمصر

بينما يرى الدكتور محمد رفعت إمام فى دراسته التى سبق وأشرنا إليها، وجود أربع مجلات إيرانية بمصر، فهناك مراجع أخرى تؤكد أنها سبع مجلات، صدرت باللغة الفارسية، هى كالتالى: «الثريا»، «حكمت»، «برورش»، «جهرنما»، كمال، رستاخيز، سودمند. 

* حكمت: 

صدرت الصحيفة فى 19 سبتمبر 1892 كأول صحيفة فارسية تصدر فى العالم العربى وفى القاهرة تحديداً، واستمر نشاطها 19 عاماً.

أصدر الصحيفة ميرزا محمد مهدى بك التبريزى، الملقب بزعيم الدولة. وبينما كان يدرس التبريزى الطب فى إسطنبول، تعاون مع صحيفة أختر، وبعد الهجرة إلى القاهرة عام 1891، أصدر حكمت بجهوده الفردية، صدرت بعض أعداد حكمت الأولى متضمنة نصاً عربياً قصيراً أو شعراً عربياً. وجد زعيم الدولة احتراماً من العلماء العرب وكتب مقالات حول إيران فى مجلات عربية، منها مجلة «الهلال» القاهرية. وافاه الأجل فى عام 1914 فى القاهرة. 

* ثريا

بعد أربع سنوات من صدور حكمت، ظهرت صحيفة فارسية أخرى فى القاهرة: ثريا. أسس الصحيفة كل من ميرزا على خان كاشانى والسيد فرج الله حسينى، التاجر الكاشانى المقيم فى مصر. ذكر كاشانى فى العدد الأول الصادر فى بداية عام 1898، أن أسباب إصدار الصحيفة فى مصر هو حرية الصحافة، ونشر الأخبار الصحيحة، وقرب هذا البلد من إيران. 

بعد العدد الـ27 فى 19 مايو 1900، وبعد خلاف بين المؤسسين، سلم الكاشانى جميع حقوق الصحيفة إلى حسينى. استمر حسينى فى إصدار صحيفة ثريا حتى عام 1901. 

بعد عودة حسينى إلى إيران، خلال فترة 1903 إلى 1906، أعاد إصدار ثريا مجدداً فى طهران، ومن ثم فى مسقط رأسه كاشان. 

* برورش

صدر ميرزا على محمد خان كاشانى بعد عشرين يوماً من خروجه من صحيفة ثريا، صحيفة بروَرش فى مايو 1900، بدعم مالى من الشاعر والكاتب يحيى دولت آبادى، وبشرط أن يكون العمل على نفس أسلوب وسياق عمل القاهرة. وأحدث صدور برورش بين الطلاب والوطنيين الإيرانيين فرحة كبيرة قد غطت عى صحيفة ثريا. 

دخلت صحيفة برورش منذ عددها الـ 23 إلى إيران، وقد مُنعت بعد طباعة مقالة انتقد فيها ميرزا على خان سياسة الصدر الأعظم مظفر الدين شاه. أعلن أمين السطنة فى مارس 1901 فى صحيفة «إيران»، عن أسباب منع دخول المطبوعات الصادرة خارج إيران قائلاً: «ليست شبهة حين توصف الصحيفة الصادرة خارج البلاد وبعيداً عن المركز الحكومى أنها ليست صحيفة تلك البلاد لأنها لا تذكر حقائق أحوال وأعمال تلك الدولة ولمرات عديدة تلفق الشوائب والأكاذيب والخلافات... لهذا وبأمر من الدولة تمنع كل الجرائد من دخول إيران... ومنذ هذه اللحظة لا يسمح بتاتاً بدخولها إلى إيران».

أصدرت برورش عشرة أعداد بعد هذا الحدث ثم أغلقت. وبعد عامين، توفى كاشانى إثر مرض أصابه ودُفن فى «حلوان» فى القاهرة. 

* چِهره نَما 

صدرت هذه الصحيفة منذ 15 إبريل 1904 فى الإسكندرية، ومن فبراير 1906، وبسبب حريق فى مطبعتها، انتقلت إلى القاهرة. كان مؤسس چهره نما ومديرها ميرزا عبدالمحمد إيرانى، الملقب بمؤدب السلطان. استمرت چهره نما فى عملها طوال اثنين وثلاثين عاماً وبعد وفاة مؤسسها، أكمل ابنه «السيد مؤدب زادة إيرانى» إصدارها. تُعتبر چهره نما من الجرائد المؤثرة فى الأوضاع السياسية والفكرية والثقافية فى إيران. 

* كمال 

أصدر الأعداد الـ29 الأولى من صحيفة كمال فى إيران، ميرزا حسين طبيب زاده، وتم إصدار العدد الـ29 فبراير عام 1906 فى مدينة تبريز. 

كان طبيب زاده مدير مدرسة «كمال» فى مدينة تبريز، ولذلك قام بتسمية الصحيفة بنفس الاسم. وبعد إيقاف الصحيفة ومصادرة الجيش المدرسة لأسباب سياسية، اضطر ميرزا حسين إلى الهجرة واختار مصر. فى نهاية عام 1906 استمرت صحيفة كمال عملها فى القاهرة، ولكن يبدو أن ميرزا حسين لم يكن مستقراً فى مصر لأسباب غير واضحة، حيث قبل أن يمضى عاماً على نشاطه الصحفى فى القاهرة، اضطر إلى ترك مصر وإيقاف عمل صحيفة كمال. 

* رستاخيز 

أسس الكاتب والشاعر الإيرانى عبدالله رازى مجلة رستاخيز فى القاهرة عام 1924، فى نهاية الفترة القاجارية، وأصدر طوال ثلاثة أعوام 18 عدداً منها بصورة غير منتظمة. قُدمت هذه المجلة على أنها مجلة علمية وأدبية واقتصادية وفلسفية وكان اتجاهها حاداً ومقصوداً فى إحياء المفاهيم والقيم الزرادشتية. أدت مواقف رستاخيز الشديدة ضد الإسلام إلى ردود فعل واسعة من قبل العلماء مما أوصلها إلى الإغلاق. 

* سودمند 

بعد إغلاق رستاخيز، أصدر عبدالله رازى مجلة سودمند باعتبارها مجلة غير سياسية وغير دينية، عام 1926 فى القاهرة، مع بداية الحكم البهلوى. تم نشر 24 عدداً من هذه المجلة، 18 منها فى القاهرة و6 منها فى طهران حيث انتقل مكتب المجلة من القاهرة إلى طهران فى نهاية عام 1930. 

وأخيرا، تبدو هيمنة الصبغة التجارية على مجمل خريطة الأنشطة الإيرانية فى مصر. وكذا، فقد استوعبت مصر الإيرانيين بداية بكل انتماءاتهم وخلفياتهم وطموحاتهم، وبمرور الوقت انفصلوا معنويا وعضويا عن جذورهم حتى انصهروا أخيرا بكليتهم فى الحياة المصرية.