فى مشهد موجع وصادم، ودعنا قبل أيام 18 فتاة، لقين مصرعهن فى حادث مروع على الطريق الإقليمى أثناء عودتهن من العمل.. بين الضحايا فتاتان لم تتجاوزا الخامسة عشرة من العمر.. فتاتان كان يفترض أن تكونا فى المدرسة، أو فى البيت، أو حتى فى نادٍ اجتماعى صغير يليق بطفولتهما... لكن بدلًا من ذلك، وجدتا نفسيهما فى شاحنة تنقل العاملات إلى عمل شاق لا يليق بسنٍّ ولا بجسد.
نعم، نحن نعلم أن الظروف الاقتصادية خانقة، وأن كثيرًا من الأسر بالكاد تلتقط أنفاسها فى ظل موجات الغلاء المتلاحقة.. ونعلم أيضًا أن بعض الآباء لا يجدون مفرًا إلا بإشراك أبنائهم — وبناتهم تحديدًا — فى تحمل أعباء المعيشة، ولو كان الثمن هو الطفولة نفسها.
لكن ما لا يمكن القبول به، وما لا يجوز الصمت عنه، هو أن تتحول هذه الحاجة إلى ذريعة لخرق القانون، وانتهاك حقوق الأطفال، وتعريض حياتهم للخطر.
عمالة الأطفال ليست حلًّا، بل مأساة متكررة.. هؤلاء الفتيات – والآلاف غيرهن فى ربوع مصر – لا يملكن خيارًا.. يذهبن للعمل مرغمات، مقابل أجر زهيد، فى ظروف لا تليق بإنسان، تحت أنظار الجميع، دون رقابة، دون حماية، دون حتى إحساس مجتمعى حقيقى بخطورة ما يحدث.
إننا أمام أزمة مزدوجة: أزمة اقتصادية تضرب الأسر من الداخل..وأزمة أخلاقية تضرب ضمائرنا من الخارج.
هؤلاء الأطفال يُحرمون من أبسط حقوقهم التى كفلتها لهم كل التشريعات..حق التعليم، وحق اللعب، وحق الأمان، وحق أن يكونوا فقط.. أطفالًا.
ماذا ننتظر؟ أن يتكرر الحادث؟ أن نفقد غيرهن؟
على الدولة أن تتحرك بجدية أكبر.
القوانين موجودة، لكن التطبيق ضعيف..
الرقابة غائبة.. والعقوبات لا تردع.
والأهم: على المجتمع أن يستفيق..
ليس مقبولًا أن نعتاد رؤية طفلة تعمل، أو صبى يكدح، وكأن الأمر طبيعى.
هذه الحادثة يجب أن تكون جرس إنذار حقيقى.. ليست مجرد مأساة إنسانية، بل شهادة على فشلنا جميعًا فى حماية أبنائنا من السقوط فى فخ العمل المبكر، والموت المجانى.
الطريق الإقليمى ابتلع 18 روحًا بريئة.. فلنمنع الطريق القادم من ابتلاع البقية!
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض