رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد ورئيس مجلس الإدارة
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس التحرير
خالد إدريس
رئيس التحرير
ياسر شورى

كنت هناك.. معركة الوجود التى بدأت من الرصيف المقابل لوزارة الثقافة

بوابة الوفد الإلكترونية

فى مساء خانق من ليالى يونيو، كانت رائحة الغضب تسبق الخطى نحو وزارة الثقافة. لم تكن زوبعةً فى فنجان، بل شرارة حقيقية التقطتها العقول قبل أن تمسك بها الأيدى.
فجأة، جلس على مقعد وزير الثقافة رجل لا يحمل من الثقافة إلا لقبه كأستاذ فى معهد السينما. جاء به نظام الإخوان، وكان اسمه علاء عبد العزيز. حين نُصّب، أدركنا نحن من نعرف قلب المشهد الثقافى، أن الهدف ليس تطوير الوزارة، بل السيطرة عليها، وأن الثقافة فى نظرهم «غنيمة».
البداية جاءت سريعة: قرّر إقالة الدكتورة إيناس عبد الدايم من رئاسة دار الأوبرا المصرية. هنا أدركنا أن الخطة بدأت، وأن دار الأوبرا - بما تمثله من رمز وهوية - هى الهدف الأول.
لكن الأوبرا لم تصمت. العاملون فيها انتفضوا، ولم يقفوا وحدهم. أطلقوا صيحات الغضب، تواصلوا مع دور الأوبرا العالمية، وبدأت رسائل الدعم تتقاطر من الخارج. أما الداخل، فقد اشتعل.
اتسع الاعتصام، وتحوّل الميدان المقابل لوزارة الثقافة إلى مسرح مقاومة، لا مسرح احتجاج فقط. قدم فيه شباب الثقافة كل ألوان الفنون: الباليه، الموسيقى، الغناء... كان الصوت يعلو بالفن لا بالشعارات. لم تكن ثورة بالصراخ، بل بالجمال. وكانت أجمل لوحاتها، تلك التى رسمها أهالى الزمالك، الذين خرجوا من بيوتهم يقدمون الحلوى والمشروبات والدعم للمعتصمين. مشهد مهيب... لا ينسى.
لقد اجتمعت قلوب المصريين - دون تنسيق أو دعوة - على هدف واحد: طرد تلك الجماعة من حياتنا.
كنت أجلس فى تلك الليالى بجوار الدكتورة إيناس عبد الدايم، على الرصيف المقابل للوزارة. أراها ثابتة رغم الضغوط، وأتأمل فى عينيها ما يشبه الشعلة. كنت أقول لنفسي: ماذا لو وصلوا إليها؟ فقد بدأ الإخوان بالفعل فى إرسال بلطجيتهم بقيادة أحمد المغير، لكن ما طمأننى أن الناس كانت هناك، تحمى من لا يملكون إلا صوت الفن.
تصدى الشعب لهجومهم، ودخل الأمن فى اللحظة المناسبة. تأكدت أن الجماعة تفقد آخر أوراقها، وأن المصريين لا يمكن أن يُخدعوا مرة أخرى.
كنت أرى شباب الثقافة - من موظفين وفنانين وعازفين - على قلب رجل واحد. لم يخافوا تهديدات، ولم يعبأوا بإرهاب. كانت قناعتهم واضحة: هذه لحظة الدفاع عن مصر.
ورأيت وجوهًا فى الاعتصام لم أتوقع أن تراها عيناى. كبار الفنانين، بعضهم يعانى من المرض، جاءوا ليتقدموا الصفوف. لا أنسى عزت العلايلى، وهو يهتف فى قلب المسرح الكبير ضد الإخوان، ومعه الفرقة الموسيقية وجمهور لم يأتِ ليسمع أوبرا، بل ليساهم فى كتابة فصل من التاريخ.
كانت الشرارة من دار الأوبرا، لكن النار انتشرت، وامتدت لتصنع ثورة كاملة.
ثورة 30 يونيو لم تكن مؤامرة كما أراد البعض تسويقها، بل كانت صرخة ضمير، بدأت من قلب الثقافة، فاستجاب لها الشعب. كانت ملحمة من الفن والعقل والحب والكرامة، كتبها المصريون بأناملهم، وهتفوا فيها لا لجماعة لا تعرف من مصر إلا اسمها.
لأن الذاكرة لا يجب أن تضعف، ولأن ما جرى لم يكن مجرد لحظة سياسية، بل معركة وجود، خاضها المصريون دفاعًا عن هويتهم وتاريخهم ومستقبل أبنائهم. ما حدث فى 30 يونيو هو درس سيظل محفورًا فى وجدان الأمة: أن مصر لا تُحكم إلا بإرادتها، ولا تنكسر مهما حاولت التيارات الظلامية أن تطفئ نورها.
ولأننا كنا شهودًا، فالواجب أن نحكى، لا لنستعرض، بل لنحمى ما أنقذناه، ولنُبقى الذاكرة حيّة، حامية من التزييف، حارسة للمستقبل، لأن كل من وقف فى ذلك الميدان، وكل من عزف، وغنّى، وصرخ من قلبه: «يسقط حكم المرشد»، لم يكن مجرد محتج، بل جندى فى معركة مصير.
وما زالت المعركة مستمرة، فالظلام يتربص دومًا، وعلينا أن نظل على العهد حراسًا للثقافة، للهوية، لمصر.