رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

درستُ العديد من روائع الأدب الفارسى، وكان من أبرزها منطق الطير لفريد الدين العطار، تلك الملحمة الصوفية التى تنقل القارئ من عالم الحس إلى آفاق الروح، ومن ضجيج المادة إلى سكينة المعنى.

وإيران، التى تفتخر بثقافتها العريقة وماضيها المضيء، ليست بحاجة إلى سلاح نووى لتثبت حضورها بين الأمم، فلديها من الشعر ما يُدهش، ومن الحكمة ما يُبهج، ومن التراث ما يُحيى. إن امتلاك ديوان مثل منطق الطير، أو بيت من حافظ أو جلال الدين الرومى، لهو أعظم بكثير من امتلاك قنبلة ذرية؛ فالشعر يخلّد الانسانية، بينما السلاح يفنيها.

يُعدُّ منطق الطير لفريد الدين العطار (1145 – 1221 ) أحد أعظم أعمال الأدب الصوفى الفارسى وفيها يصوّر العطار رحلة ثلاثين طائرًا فى سعيها لاكتشاف ملكٍ يُوحّدها ويقودها. يدلّها الهدهد، رمز الحكمة والإرشاد، إلى «السيمُرغ»؛ الطائر الأسطورى القابع فى جبل قاف الأسطورى.

يصف الهدهد سبعة أودية لا بد للطير من عبورها: وادى الطلب، وادى العشق، وادى المعرفة، وادى الاستغناء، وادى التوحيد، وادى الحيرة، وأخيرًا وادى الفقر والفناء. فى كل وادٍ، تتقشّر طبقات الأنا، وتسقط الأوهام، ويقترب المسافر أكثر من الحقيقة الكبرى.

فى وادى الطلب، يتطهّر السالك من شوائب الشك، ويستحضر شوقه للحق. أما فى وادى العشق، فيحترق بالعاطفة، ويضحى بالعقل، فلا يبقى إلا القلب المتوهّج. ثم يأتى وادى المعرفة، حيث تنهار مفاهيم المنطق، ويُطلَب من السالك أن يعيد النظر فى ماهية العلم ذاته. فى وادى الاستغناء، يتخلى السالك عن كل ما سوى الله، وتذبل فيه الرغبات. وفى وادى التوحيد، يفنى الكل فى الواحد، فتتوحّد الذات بالمطلق. يليه وادى الحيرة، حيث التيه والاضطراب الروحى، وحيث يفقد السالك أى قدرة على التمييز بين المتناقضات. فهو لا يعرف الحب ولا البغض، ولا يملك روحًا ولا جسمًا، ولا هو خيّر ولا شرير، ولا تقيّ ولا فاسق، ولا معتقد ولا شاك، ولا عظيم ولا حقير، ولا هو شيء ولا لا شيء. أما فى وادى الفقر والفناء، فيُمحى الكيان، وتذوب الذات، فلا يبقى إلا الوجود المحض.

يموت كثير من الطيور أثناء الرحلة، ولا يبلغ النهاية إلا ثلاثون طائراً. وهناك، على شفير الكشف، لا يجدون مَلكا خارجيًا، بل يجدون انعكاسا لوجوههم. فالسيمُرغ الذى طلبوه لم يكن سوى ذواتهم وقد تطهّرت، ويكتشفون—ونحن القراء معهم—أنّ «سيمُرغ» فى الفارسية تعنى «ثلاثين طائرًا» – سى + مُرغ.

وكما نرى ليس العطار مجرّد شاعر، بل مرشد فى دروب العشق الإلهى، وهو الذى قال عنه جلال الدين الرومي: «العطارُ طافَ أودية العشقِ السبعة/ أما أنا فمازلتُ واقفًا على عتبة الوادى الأوّل».

فى منطق الطير، تتجلّى عظمة الشعر حين يصبح سلّمًا إلى المطلق، وطريقًا نحو الذات المتحررة من كل قيد، الباحثة أبدا عن السكينة والسلام الداخلى.