استغلال وسائل التواصل الاجتماعى لنشر الأكاذيب
الشائعات سلاح الفوضى فى زمن الأزمات
الحروبفرصة لزعزعة الاستقرار.. ووعى المواطن خطال دفاع الأول
تداول أكاذيب اشتعال الأسعارونقص المنتجات البترولية
شهدت منصات التواصل الاجتماعى فى مصر تداولًا واسعًا لشائعات مثيرة للقلق، أبرزها شائعة تسرب إشعاعى من مفاعل ديمونة، وادعاءات بغلاء الأسعار الوشيك، إلى جانب تقارير غير مؤكدة حول نقص محتمل فى إمدادات البترول. وقد أثارت هذه الشائعات حالة من الهلع والقلق بين المواطنين، خاصة فى ظل الأوضاع الاقتصادية الصعبة التى تمر بها البلاد.
وجاءت صفحات السوشيال ميديا لتكون بيئة خصبة لانتشار الشائعات، إذ تتيح تداول المعلومات بشكل فورى دون تحقق أو رقابة، ما يعزز فرص انتشار الأخبار الزائفة. وتلعب العناوين المثيرة ومقاطع الفيديو المفبركة دورًا كبيرًا فى إثارة الذعر والتأثير على الرأى العام. ومع غياب الوعى الكافى بمصادر المعلومات الموثوقة، يجد البعض أنفسهم أسرى لما يُنشر على هذه المنصات دون تمحيص.
الإعلام الوطني
وفى هذا النطاق، تحدثت الباحثة سها البغدادى خبيرة الشئون العربية والدولية، قائلة: «أصبحنا فى زمنٍ تتسارع فيه وتيرة المعلومات وتتدفق فيه الأخبار من كل حدب وصوب، وأصبحت معركة الوعى إحدى أخطر وأهم المعارك التى تواجهها المجتمعات، خصوصًا فى ظل موجات الشائعات والتضليل الإعلامى التى تقودها جهات تسعى لهدم استقرار الأوطان وزرع الفتن بين أبناء الشعب الواحد، لافتة إلى أن الخطورة الحقيقية لا تكمن فقط فى الكذب، بل فى حرف الحقيقة وتوجيه الانتباه نحو أحداثٍ معينة، يجرى تسليط الضوء عليها وتضخيمها بطريقة مريبة.
وأشارت «البغدادى»، إلى أنه بعد الحرب بين إسرائيل وإيران، باتت اللجان الإلكنرونية، فى تخريب الأوطان واستغلال ما يحدث الآن من أحداث عالمية، لخلق حالة من الهلع والتشكيك، مستخدمين أدواتهم الإعلامية ومنصات التواصل لبث رسائل مشبوهة تثير الفتنة وتضعف الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، مشيرة إلى أن استراتيجية الفوضى تبدأ بتهييج الرأى العام عبر اللعب على وتر العاطفة والإثارة، خصوصًا عندما يتم الزج بصور الأطفال أو النساء، أو التفجيرات دون سياق أو تحقق ، أو تدقيق أو تفكير، مما تبنى داخل عقل المواطن، مواقف هجومية وانفعالية بناءً على محتوى عاطفى مُفبرك أو مجتزأ.
وعبرت عن أسفها، فيما يحدث، قائلة: «المُحزن أن بعض الناس يُساقون وراء هذه الحملات الممنهجة من دون أن يدركوا أنهم يُستخدمون كأدوات فى يد أعداء الوطن، ممن يحاولون بكل وسيلة ضرب الوحدة الوطنية فى مقتل، وزرع الشك بين مكونات المجتمع، تمهيدًا لمسلسل التخريب المعروف الذى يبدأ بالفوضى الإعلامية ولا ينتهى إلا بانهيار المجتمعات».
ووضعت الباحثة،عدة آليات لمواجهة تلك الشائعات، قائلة: «الوعى هو السلاح الأول والأهم، لذا لا بد من نشر ثقافة التحقق من المعلومة قبل تداولها، وتعزيز ثقة المواطن فى مصادر الدولة الرسمية، مع فتح قنوات تواصل شفافة تسبق الشائعات وتقطع الطريق على مروجى الفتن، كما يجب دعم الإعلام الوطنى ليكون صوتًا قويًا قادرًا على الرد والتوضيح بالمهنية والسرعة المطلوبة، ولا ننسى زرع قيم الانتماء والوعى النقدى لدى النشء والشباب، كى لا يكونوا صيدًا سهلًا للخطاب الانفعالى أو الشعارات الجوفاء. فالمعركة اليوم ليست فقط على الأرض، بل على العقول والقلوب، ومن يكسب هذه المعركة هو من يُحسن فهم أدوات العصر ويستخدمها لصالح الوطن، لا ضده».
تفاعل الدولة
حذرت الدكتورة هبة البشبيشى، خبيرة الشئون الإفريقية، من التأثير السلبى للشائعات، مؤكدة أن الشائعات لا تقتصر على تشويه الحقائق فحسب، بل تمتد إلى التأثير على استقرار المجتمع واقتصاده، ما يعوق التقدم والازدهار، مشيرة إلى أن هناك حملات منظمّة تهدف إلى نشر الأخبار الكاذبة بهدف إثارة الفوضى وإضعاف الثقة بين الشعب والحكومة، مشيرًا إلى أن هذه الشائعات تستهدف إنجازات الدولة فى المجالات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
وأشارت إلى ضرورة تعزيز وعى المواطنين بأهمية التحقق من مصادر الأخبار ومراجعة الحقائق قبل تداولها، وتكثيف الجهود لمكافحة الشائعات وتوفير المعلومات الدقيقة التى تسهم فى نشر الوعى بين أفراد المجتمع، مؤكدة أن التصدى لهذه الظاهرة يعد من أولويات المرحلة المقبلة، لافتة إلى أن الشعب المصرى يثق فى بيانات المتحدث العسكرى، ففى مثل هذه الأوقات الحرجة الحالية والظروف الصعبة، يجب أن تكون فرصة كبيرة لاستعادة حيوية وتفاعل الشعب مع البيانات القصيرة التى تنشر.
وأوضحت أن الضرب والقذف لم يحدث سوى بين إيران وإسرائيل، وهما قوتان إقليميتان تعبر عن قوى دولية، وهم أمريكا وروسيا والصين، فهى حرب دولية إقليمية بالإنابة وليست لها علاقة بالمنطقة العربية بشكل أو بآخر، إلا بعض التأثيرات الاقتصادية، لافتة إلى أن الفترة القادمة ستشهد من سيحكم العالم، وما يحدث الآن هو محاولة لزعزعة الأمن، ولكن بدون تدخل من الدول العربية، ولا توجد مشاكل أو صراعات بين مصر وتلك الدول، مشيرة إلى أنها ترى وجود تفوق إسرائيلى فى الضرب، ولكن كل هذا بعيد تمام البعد عن مصر، وهذا صراع دولى بين قدرات روسيا والصين تجاه أمريكا، ولكن بعيد عن مصر.
ودعت وسائل الإعلام المواطنينإلى توخى الحذر وتجنب الانسياقوراء الأخبار المزيفة،مشددة على ضرورة التعاون بين جميع الأطراف لمواجهة تلك الظاهرة الضارة، لافتة إلى أن بعض اللجان تستغل وسائل التواصل الاجتماعىلنشر الأكاذيبوتضليل الرأى العام بشأن القضايا الداخليةوالخارجية،مطالبة بتعزيز الوعى المجتمعىوفتح قنوات تواصل مباشرة مع المواطنينلتوضيح الحقائق وكشف الأجنداتالخفية وراء تلك الشائعات،مشددة على أهمية الشفافيةوالإفصاحالسريع عن المعلوماتالصحيحة من قبل الجهات الرسمية،كخطوة استباقيةلمواجهة الأكاذيبوتحصين المجتمع ضد أى محاولات للتشويش أو إثارة الفتن، ونشر الارتباكبين أفراد المجتمع وتعميق الانقسامداخل المجتمع.
وعى المواطن
ومن الناحية السياسية، تحدث الدكتور إسماعيل تركى، باحث وأكاديمى فى السياسة الخارجية، قائلًا: «فى خضم ما تشهده المنطقة من حالة تصعيد واتساع حدة الصراع، ونقله إلى مناطق جديدة، وفى ظل فتح جبهة الحرب المفتوحة بين إسرائيل وإيران الأزمات والحروب تتزايد مشاعر القلق والترقب، تبرز على السطح ظاهرة خطيرة تهدد استقرار المجتمعات وتماسكها، ألا وهى «حرب الشائعات»، هذه الظاهرة، التى تتغذى على مشاعر الخوف وحالة عدم اليقين، وبطء المعلومات الرسمية ونقصها فى بعض الحالات وسرعة وانتشار المعلومات المضللة فى ظل اتساع وسائل الإعلام غير الرسمية وتتحول الشائعات إلى سلاح فتاك يهدف إلى نشر الفوضى، وإضعاف الروح المعنوية، وتقويض الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة.
وتابع «تركى»، أن الشائعات تمثل تزييف للحقائق وتغذية للفوضى من خلال اختلاق أخبار أو معلومات مضللة أو غير صحيحة تنتشر شفاهيًا أو عبر وسائل التواصل الاجتماعى دون سند أو دليل مادى يثبت صحتها، أو مصدرها وفى أوقات الأزمات والحروب، حيث يميل الناس فى أوقات الأزمات إلى البحث عن أى معلومة، حتى لو كانت غير مؤكدة، لسد فجوة المعلومات الرسمية أو لتلبية حاجتهم لفهم ما يحدث، ومع التطور الهائل لوسائل التواصل الاجتماعى، أصبحت الشائعة تنتشر بسرعة البرق، لتصل إلى ملايين الأشخاص فى لحظات قليلة، مما يصعب السيطرة عليها.
ولفت الخبير السياسى، إلى أن أضرار الشائعات، لا تقتصر على حالة القلق والتوتر على الأفراد فقط، بل تمتد لتشكل خطرًا حقيقيًا على الأمن القومى بأبعاده المختلفة من خلال زعزعة الثقة بالمؤسسات الوطنية، فعندما تنتشر الشائعات التى تشكك فى قدرة الدولة على إدارة الأزمة أو فى نزاهة مؤسساتها، تتآكل ثقة المواطن تدريجيًا، مما يفتح الباب أمام الفوضى والتمرد، كما تساعد الشائعات فى إضعاف الروح المعنوية، من خلال المبالغة فى تصوير الخسائر أو تقلل من شأن الإنجازات بهدف تحطيم الروح المعنوية للمواطنين والجنود على حد سواء، ما يؤثر سلبًا على قدرة الأمة على الصمود والمواجهة.
الرد على الشائعات
وعن آليات المواجهة، أكد الخبير أنها تتطلب استراتيجية شاملة ومتكاملة تشارك فيها كل أطراف المجتمع، بداية من إنشاء مركز الرد على الشائعات لتتبع الشائعات وتكذيبها ونشر حقيقتها، ويجب على المؤسسات الرسمية أن تكون سريعة فى إصدار البيانات وتوضيح الحقائق فور انتشار أى شائعة، فالتأخير يتيح للشائعة فرصة أكبر للانتشار والتأثير، وحسنًا تفعل وزارة الخارجية المصرية هذه الفترة بسرعة إصدار البيانات التى تعبر وتوضح وترد على طبيعة الموقف المصرى فى كثير من القضايا المثارة سياسيًا فى هذه المرحلة المشتعلة، بالإضافة إلى استخدام كل وسائل الإعلام التقليدية والحديثة (التليفزيون، الإذاعة، الصحافة، مواقع التواصل الاجتماعى الرسمية) لنشر المعلومات الدقيقة والموثوقة، وتخصيص متحدثين رسميين مؤهلين وموثوق بهم ليكونوا المصدر الوحيد للمعلومات، ما يقلل من تضارب التصريحات ويعزز الثقة.
وتابع: يجب إطلاق حملات توعية مستمرة تستهدف كل شرائح المجتمع، تشرح مخاطر الشائعات وكيفية التعرف عليها والتحقق من صحتها، وإدراج مفاهيم التفكير النقدى والتحقق من المعلومات ضمن المناهج الدراسية، لتعليم الأجيال الجديدة كيفية التعامل مع الكم الهائل من المعلومات المتاحة، وتشجيع ودعم مراكز الأبحاث والدراسات المتخصصة فى رصد وتحليل الشائعات ومصادرها وطرق انتشارها، وتفعيل وتطبيق القوانين التى تجرم نشر الشائعات والأخبار الكاذبة التى تضر بالأمن القومى والعمل على مراجعة وتحديث التشريعات القائمة لتتناسب مع التطورات التكنولوجية وانتشار وسائل التواصل الاجتماعى، والعمل المشترك لمكافحة الجرائم السيبرانية التى تستغل نشر الشائعات لأهداف تخريبية.
واختتم: وعى المواطن هو خط الدفاع الأول والأخير فى مواجهة حرب الشائعات، فالمواطن الواعى هو من يمتلك الأدوات والمهارات اللازمة للتمييز بين الحقيقة والشائعة التى تستهدف البلد وقبل تصديق أى معلومة أو إعادة نشرها، يجب التحقق من مصدرها، وتجنب إعادة نشر أى معلومات غير مؤكدة، حتى لو كانت تبدو مثيرة للاهتمام، حيث إن إعادة النشر تسهم فى انتشار الشائعة وتزيد من ضررها كما يجب الإبلاغ عنها للجهات المختصة أو للمنصات الرسمية، للمساعدة فى وقف انتشارها، كما أن مواجهة الشائعات، ليست مسئولية جهة واحدة، بل هى مسئولية جماعية تتطلب تضافر جهود المؤسسات الوطنية والمواطن الواعى، فالمعلومة الدقيقة هى درع الأمن وصمام الأمان فى زمن الأزمات والحروب.

تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض