رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

فى زمنٍ تتمدّد فيه العتمة وتتهاوى بوصلات العالم من أيدى العقلاء، نُقذفُ جميعًا فى قلب عصرٍ جديد لا يخفى وجهه القبيح وإن تنكّر.  هو عصر الهمجية المُكيّفة بالحداثة، المدهونة بلغة القانون، المستترة بأقنعة السيادة، والمُبرّرة بديباجة فاقدة الضمير.

هذه الهمجية لا تمتشق سيفًا ولا تفتح المدن بخيول الإمبراطوريات، بل تنزل على البيوت النائمة كالصاعقة، تسوّى أحياء بكاملها بالأرض، بينما تبثّ الشاشات صورًا بلا رائحة... صورًا خالية من دَمٍ يتدفّق منذ شهور فى شوارع غزة، المدينة التى صارت اليوم مرآةً مكسورةً نرى فيها وجوهنا المُمزّقة، وضمائرنا المثقلة بالشعور بالذنب، وتاريخنا المُنتهَك.

كلمات فيروز عن القدس التى تبكى «الطفل فى المغارة وأمّه مريم» تصرخ الآن من أزقة غزة التى يبكيها أحرار العالم وأشجار البيارات التى لم تثمر هذا العام.

تصدح فيروز «لأجلكِ يا زهرة المدائن أصلّى»، ولكن صلاتنا هذه المرة تحمل وجه غزة، جرحها، وأملها... «لأجلكِ يا بهيّة المساكن»، يا مَن لم يبقَ من مساكنكِ إلا حجارة مفتتة، ومفتاح يتيم، وصورة على جدار مهدم.

وفى هذا الجنون الكوني، لا نملك إلا أن نتمسّك بما بقى لنا من الضمير الحي. فى غزة جاعت البطون وفى منهتى الخسة قتل جنود اسرائيل من يحتضن الرغيف الأخير فى المجاعة الأخيرة. أى شرف أن يقتل جندى مسلح برشاش طفلًا جائعًا؟ وأى وقاحة أن يسموا جيشهم «جيش الدفاع»؟

وفى غزة اليوم لا يزال هناك مَن يخطّ على الجدران المهشّمة بيتًا من الشعر، ومن يغنّى لأخته فى العتمة كى تنام دون خوف.

نعم، فيروز، «الطفل فى المغارة وأمّه مريم وجهان يبكيان/ لأجل من تشرّدوا / لأجل أطفال بلا منازل»، نفجع لفداحة مآسى غزة، ونصلّى ليتوقف القتل ويرجع الأسرى إلى أهاليهم، ويعود الصيف بعد هذا الشتاء الطويل. ألم يقل كامو إنّ فى قلب الشتاء صيفًا لا يُقهر؟ ألم يكن الطبيب فى «الطاعون» بطلاً لأنه اختار واجبه الأخلاقى فى وجه العبث؟ فى غزة، نجد ألوفًا من هؤلاء الأبطال المجهولين الذين ينقذون من تبقى من الأحياء.

إنّ الإيمان، كما قال طاغور، هو «العصفور الذى يُغنّى حين يكون الفجر لا يزال حالكًا»، وفى غزة، يغنّى الأطفال رغم القصف، تمشى الأمهات بين الأنقاض، وتُرفع الأذان بين الحطام، وتُقام الصلاة بين الأشلاء. «لن يُقفَل بابُ مدينتنا»... نعم، يافيروز، لأن أهل غزة ذاهبون ليصلّوا فيما تبقى من مساجد وكنائس.

هذا الصمود ليس فعلًا يائسًا، بل معجزة إنسانية. هو أغنية تُضاف إلى «أوراق العشب» لوالت ويتمان ، هذا الصمود هو بيتٌ جديد يضاف الى ديوان محمود درويش، هو خطوة تمشيها طفلة فلسطينية على ركام بيتها نحو مستقبل تصنعه بإصرار- بعد أن يهزم أهل غزة وجه القوّة، ويمحوا آثار القدم الهمجية.