نور
رغم مرور سبع سنوات على صدور كتاب (هوامش التاريخ.. من دفاتر مصر المنسية) إلا أننى اكتشفت عدم قراءتى له، وقد تبين لى أنه كتاب ممتع، من طراز الكتابة الرفيعة، وهو مستو عال من السرد ليس غريبًا على مؤلف الهوامش والصفحات صديقى الكاتب المُبدع مصطفى عبيد، رفيق سنوات طويلة من الزمالة فى صحيفة الوفد، ورفيق الحوارات اليومية فى السياسة والثقافة والاقتصاد.
مصطفى عبيد يستحق اعتذارًا رسميًا منى لعدم قراءتى للكتاب كل هذه السنوات، وسأدعوه لاحتساء فنجانًا من القهوة فى دار الأوبرا لنتناقش فى تفاصيل كتابه المهم ونحن نرتشف قهوتنا الساخنة!!
يتحدث مصطفى عبيد عن الدور الوطنى لرجال الشرطة فى مواقف مواجهة أعداء البلاد،ليطلب منا ألا ننسى أن عبد الرحمن بك فهمى البطل الحقيقى لثورة ١٩١٩ كان ضابط شرطة سابق، واستفاد من تنقله بين كثير من المدن فى اكتساب خبرات التعامل مع مختلف طبقات المجتمع، واستغل ذلك فى إنشاء طبقات للجهاز السرى لثورة ١٩١٩.
ويُجزم مصطفى عبيد إن الأجيال الحديثة لا تكاد تعرف أى أبطال آخرين لثورة ١٩١٩ سوى سعد باشا زغلول، والثابت فعلًا أن سعد قُبض عليه فى ٨ مارس ١٩١٩ ولم يعرف شيئًا عن اندلاع الثورة إلا بعدها، لأن الذى أطلق شرارتها هو الضابط المُحنك عبد الرحمن فهمى، وكان قد أعد خطة استباقية فى حال القبض على سعد ومن معه، تضمنت تشكيل خلايا عنقودية كل منها منفصلة عن الأخرى، وتتطلب وحدها تنفيذ مهمة من المهمات، بدءًا من قتل الجنود والموظفين البريطانيين، وحتى إرهاب الساسة المصريين المتعاونين مع الاحتلال، فضلًا عن تنظيم المظاهرات والإضرابات وتوزيع المنشورات.
(الخلايا التى أشار إليها الكتاب هى مانطلق عليها فى تراث الوفد الطبقات الأربعة التى قادت الثورة، فرغم القبض على سعد وقيادات الوفد،ظهرت أربعة طبقات متلاحقة من القيادة أكملت مسار الثورة).
والمذهل فى قصة عبد الرحمن فهمي،يقول الكتاب، أنه ظل شهورًا طويلة يتبادل مع سعد باشا التعليمات المكتوبة بالحبر السرى، بالإضافة،فوق رسائل يتم تبادلها بشكل رسمى..يُنفذها ويشترى السلاح والقنابل ويقدمها للجماعات الفدائية، ويرعى أسر المقبوض عليهم، وكل ذلك من دون أن ينكشف أمره، ولم يسقط الرجل إلا بعد تنفيذ عشرات العمليات، ليدخل السجن دون إثبات تهمة الإرهاب عليه، ثم يخرج بعد ذلك لينخرط فى دعم ومساندة الحركات العمالية، ثم يطويه بعد ذلك سجل النسيان.
والمزعج أن هذا الرجل الذى استهدف بالقتل عشرات الجنود والضباط الإنجليز خلال أحداث ما بعد الثورة، من خلال عمليات تقوم بها خلاياه، لم يتول بعد وصول حزب الوفد إلى الحكم سنة ١٩٢٤ أى مناصب وزارية، والمؤسف أيضًا أن نضال الرجل تم تجاهله، فلم يذكر كواحد من أبطال الثورة، ولم يُعرف دوره إلا فى منتصف الستينات من القرن العشرين، عندما نشر الكاتب الصحفى مصطفى أمين سلسلة تحقيقات عن ثورة ١٩١٩، والتى جُمعت بعد ذلك فى كتاب حمل عنوان «الكتاب الممنوع» وصدر فى التسعينات.
لم يكتفى مصطفى عبيد بكشف الدور الخطير لعبد الرحمن فهمى، ولكنه كشف أيضًا عن دور الشهيد محمد كامل مأمور بندر أسيوط. وقصة هذا الرجل ترد بالتفصيل فى كتاب «كان وأخواتها» للكاتب جمال بدوى، إذ يقول إنه عندما اندلعت الثورة صاخبة مزلزلة، فإن كثيرًا من أهالى الصعيد قاموا بالفتك بجنود الاحتلال البريطانى، ووفقًا للمصادر التى تناولت الثورة كان أهالى مدينة أسيوط يجبرون القطارات على التوقف بالقوة، ليتم القبض على كل إنجليزى وإعدامه على الفور، وهو ما أحدث هستيريا لدى قوات الاحتلال، وصلت بها إلى ضرب قرى ومراكز أسيوط بالطيران. ولما سمع أهالى أسيوط بما فعله أهالى ديروط من إعلانهم الاستقلال، سارعوا إلى إعلان استقلال أسيوط، لكنهم عرفوا بعد قليل أن كتائب إنجليزية حاشدة قادمة فى الطريق إلى أسيوط لإخماد التمرد، فسارعوا بالذهاب إلى مأمور قسم بندر أسيوط، وطلبوا منه الحصول على السلاح، وخرج البكباشى محمد كامل مأمور القسم يوزع عليهم ما لديه من السلاح، معلنًا الجهاد ضد الاحتلال. لقد كانت تلك اللحظات حاسمة، إذ اختار البكباشى محمد كامل طريق التمرد والمقاومة، وهو على يقين أن ما فعله فى نظر الإنجليز جُرم جزاؤه الموت، وبسرعة تمكن من تدريب المتطوعين على إطلاق الرصاص، بينما ظلت معه قوة من الجنود والخفراء قررت الاستشهاد دفاعًا عن استقلال البلاد.
وبالفعل احتشد الجنود والضباط المصريون مع لفيف من المتطوعين الشباب ليحملوا البنادق الحكومية، ويهاجموا مقر الحامية البريطانية فى أسيوط، ودخلوا فى معركة دامية معها، ونجحوا فى أن يقتلوا عشرات الجنود الإنجليز. وعلى أثر ذلك ثارت بريطانيا وجنودها، وتكثفت الضربات ضد ثوار أسيوط وسقط العشرات شهداء وجرحى، وبعد كر وفر نجحت قوات الاحتلال فى القبض على الثوار وسارعت إلى محاكمتهم.
وسريعًا، ومن خلال محكمة عسكرية إنجليزية تم الحُكم على البكباشى محمد كامل بالإعدام رميًا بالرصاص، وسعى عدد من الوطنيين والساسة المصريين إلى التدخل لدى السلطات، ومنع تنفيذ الحُكم.
واستبدال السجن به، مثلما جرى مع آخرين، لكن الحاكم العسكرى البريطانى أصر إصرارًا شديدًا على إعدام البطل، وصدق على الحُكم ليصبح واجب النفاذ. وفى يوم ١٠ يونيو من نفس العام يتم تنفيذ حُكم الإعدام فى البكباشى محمد كامل رميًا بالرصاص وسط بندر أسيوط، وودعته دموع الناس لترفرف روحه فى سماوات الخلود.
الكتاب يتضمن قصصًا وحكايات مُلفته ومثيرة، سوف أناقش تفاصيلها مع مصطفى عبيد ونحن نرتشف القهوة.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض