رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى
رئيس حزب الوفد
د. السيد البدوي شحاتة
رئيس مجلس الإدارة
د. خالد قنديل
رئيس التحرير
ياسر شورى

تُعد الاستثمارات في الدول العربية ركيزة أساسية في تحقيق التنمية الاقتصادية وتوليد فرص العمل، إلا أن فعاليتها تتباين بشكل ملحوظ تبعًا للبيئات الاستثمارية المتباينة والسياسات الاقتصادية القائمة. يعتمد نجاح الاستثمار على مجموعة معقدة من العوامل المتشابكة، التي تتراوح بين الاستقرار السياسي والحوكمة الرشيدة، مرورًا بالبنية التحتية، وصولًا إلى مدى تأهيل القوى العاملة ومرونة الأنظمة التشريعية.
تشكّل بيئة الاستثمار عاملاً أساسياً في تحفيز النشاط الاقتصادي، حيث يؤثر الاستقرار المؤسسي في جذب رؤوس الأموال وضمان تحقيقها لعوائد طويلة الأجل. يتطلب ذلك سياسات حكومية تستند إلى الشفافية والكفاءة، إضافة إلى بنية تحتية تدعم الإنتاجية وتعزز من تنافسية السوق. لكن العديد من الدول العربية لا تزال تواجه اختلالات هيكلية تعرقل تدفق الاستثمارات، ما يُضعف قدرتها على الاستفادة المثلى من رؤوس الأموال الواردة. ومن هنا، يصبح من الضروري تجاوز الفهم التقليدي للاستثمار، والانتقال نحو نموذج ديناميكي يستند إلى نظريات الاقتصاد المؤسسي الجديد، الذي يُسلّط الضوء على دور الحوكمة والإطار التنظيمي في تحفيز النمو المستدام.
على الرغم من تسجيل بعض الدول العربية معدلات استثمار مرتفعة – مثل الإمارات والسعودية وقطر والمغرب – حيث تراوحت بين 36.3% و22.3% من الناتج المحلي الإجمالي عام 2024، إلا أن معدلات النمو الاقتصادي في العديد منها لا تزال دون التوقعات. يرجع ذلك جزئيًا إلى التبعية المفرطة لعائدات النفط والغاز، وهو ما يعكس معضلة «الفخ الريعي»، حيث يؤدي الاعتماد المفرط على الموارد الطبيعية إلى إضعاف القطاعات الإنتاجية الأخرى. وبالتالي، يصبح لزامًا إعادة هيكلة الاقتصادات العربية لتكون قائمة على المعرفة والابتكار، وفقًا لنظريات النمو الداخلي التي طرحها المفكران الاقتصاديان روبرت لوكاس وبول رومر، الحاصلان على جائزة نوبل، والتي تؤكد بأن النمو الاقتصادي لا يعتمد فقط على تراكم رأس المال المادي، بل يتطلب بيئة غنية بالمعرفة، وتعليمًا عالي الجودة، واستثمارات طويلة الأجل في البحث والابتكار.
وفي هذا السياق، لا يمكن إغفال دور الحوكمة في تحديد جدوى الاستثمارات وتأثيرها على الاقتصاد الكلي. فالفساد الإداري وغياب الشفافية يؤديان إلى تقويض ثقة المستثمرين، ويحدّ من التدفقات الاستثمارية. تتطلب معالجة هذه الإشكاليات تدعيم سيادة القانون وتبني نهج الاقتصاد السلوكي الذي يؤكد أهمية تصميم السياسات الاقتصادية بطريقة تراعي الدوافع النفسية للمستثمرين، وفقًا لنظريات ريتشارد ثالر في مجال الاقتصاد السلوكي، والتي غيّرت الفهم التقليدي لكيفية عمل الأسواق والقرارات الاقتصادية.
تواجه بعض الدول العربية تحديات إضافية مرتبطة بالصراعات والنزاعات المسلحة، والتي أدت إلى انهيار تدفقات الاستثمار وتدمير البنى التحتية الاقتصادية. في السودان وليبيا وفلسطين، تراجعت معدلات النمو إلى مستويات سلبية تجاوزت -10% خلال عام 2023، لتعكس بذلك التكلفة الاقتصادية الباهظة للحروب وعدم الاستقرار السياسي. من هذا المنطلق، يصبح تحقيق الاستقرار شرطًا جوهريًا لإعادة بناء الاقتصادات المُنهكة، وهو ما يتطلب هندسة حلول تنموية شاملة تعالج جذور المشكلات البنيوية.
إعادة رسم المشهد الاستثماري العربي تقتضي التحول نحو نموذج اقتصادي جديد، يرتكز على التكنولوجيا والابتكار. يمكن للدول العربية استلهام تجارب دول شرق آسيا التي نجحت في تجاوز العوائق التنموية عبر سياسات تقوم على «رأسمالية الدولة»، والتي تمزج بين تدخل الحكومة في توجيه الاستثمار والآليات السوقية لضمان الكفاءة. الاستثمار في الثورة الصناعية الرابعة، من الذكاء الاصطناعي إلى تقنيات البلوكتشين، يمكن أن يوفر فرصًا غير مسبوقة لإعادة تشكيل الاقتصادات العربية على أسس أكثر استدامة.
ويبقى السؤال عما إذا كان باستطاعة الدول العربية تجاوز النماذج الاقتصادية التقليدية والتحول نحو اقتصاد إبداعي قادر على تحقيق تنافسية عالمية؟ الإجابة هنا مرتبطة بعمق الإرادة السياسية، والإصلاحات المؤسسية الجذرية، والاستثمارات الاستراتيجية في القطاعات المستقبلية. التحديات كما هو واضح جسيمة، لكنها ليست مستعصية، شريطة تبني رؤية اقتصادية جريئة تستند إلى مبادئ المرونة والابتكار والاستدامة.