إذا كان المبدأُ الثابتُ المفترضُ للقاعدةِ القانونيةِ هو عدم الجهلِ بالقانونِ، فإنَّ العلمَ بمعرفةِ الحقوقِ والواجباتِ وعدمِ التعدِّى لحدودِ اللهِ ومحرماتِهِ صراحةً لا يُفترضُ، حتى لا يفلتَ المجرمونَ من العقابِ بحجةِ الاعتذارِ بالجهلِ بأحكامِ القانونِ الجنائيِّ، ومن هنا لا ضرورةَ لإعذارِ كلِّ من ارتكب جريمةً من جرائمِ التزويرِ أو النصبِ لأكلِ حرمةِ أموالِ وممتلكاتِ الغيرِ، ولعلَّ الأخطاءَ الشائعةَ التى يرتكبُها الأشخاصُ فى دلالةِ هذه الجرائمِ عندما تتعلقُ الحقوقُ بحدٍّ من حدودِ اللهِ، وشريعتِهِ فى الأرضِ وهو الميراثُ الشرعيُّ، وخصوصًا إذا تعلق بممتلكاتٍ ثابتةٍ مثل »العقاراتِ والأراضى»، ومن هنا يكونُ الشخصُ مسؤولًا عن أعمالِهِ وأفعالِهِ غيرِ المشروعةِ، متى ارتُكبتْ منه وهو بالغُ سنَّ الرشدِ كاملُ الأهليةِ العقليةِ والجسديةِ، دونَ أيِّ عارضٍ من العوارضِ التى تبطلُ تصرفاتِهِ القانونيةِ، فيجبُ أن يكونَ فى حالةِ إدراكٍ ووعيٍ كاملٍ، تجعلُهُ أهلًا لتحمُّلِ مسؤوليةِ نفسِهِ أمامَ القانونِ.
ويُعدُّ سيئَ النيةِ كلُّ شخصٍ قدَّمَ إعلامَ وراثةٍ شرعيٍّ أمامَ المحكمةِ، حجبَ فيه أو لم يذكر اسمَ أحدِ الورثةِ لحرمانِهِ من الميراثِ، وفى الغالبِ يكونُ اسمُ الأمِّ المتوفاةِ، أو الأختِ التى توفيت بعدَ زواجِها بفترةٍ وأصبحت فى طيِّ النسيانِ وهجرَها الجميعُ من الأهلِ والأصدقاءِ، رغمَ أنها تركت من بعدِها مولودًا وزوجًا وهؤلاءِ هم ورثتُها الشرعيونَ، ومرجعُهم فى ذلك للشريعةِ الإسلاميةِ وللأحكامِ الشرعيةِ، لأنها مسائلُ تتعلقُ بحمايةِ أموالِ القاصرِ وميراثِ الزوجِ فى زوجتِهِ ثم ميراثِ أهلِ الزوجةِ فيها، وبالمثلِ يتمُّ عدمُ إدراجِ اسمِ الأمِّ فى الأمورِ المتعلقةِ بالميراثِ، سواءً كان ذلك فى محرراتٍ رسميةٍ يتمُّ استخدامُها لأغراضٍ خسيسةٍ، من أجلِ حرمانِها من كلِّ الحقوقِ، أو حتى فى أمورٍ كثيرةٍ تتعلقُ بمسألةِ الميراثِ أو الوصيةِ أو بيعِ أيِّ شيءٍ من أموالٍ ثابتةٍ أو منقولةٍ كان من الواجبِ موافقتُها على العقودِ كتابةً، من هنا تزولُ صفةُ حُسنِ النيةِ لدى حائزِ الشيءِ من الوقتِ الذى يصبحُ فيه عالمًا بأنَّ حيازتَهُ لهذا الشيءِ فيها اعتداءٌ على حقوقِ الغيرِ، وإذا فُرضَ بأنَّ الشيءَ الذى فى حيازتِهِ عقارٌ، فيكونُ هذا المبيعُ الثابتُ مملوكًا للغيرِ والغيرُ هم ورثتُهُ، أو مالكًا لعقارٍ اغتُصبَ منه بالإكراهِ، وفى هذه الحالةِ يكونُ البيعُ باطلًا بطلانًا مطلقًا، لأنَّ المشتريَ سيئَ النيةِ اشترى المبيعَ طمعًا فى أكلِ مالِ الغيرِ وسلبِ حقوقِهِ الشرعيةِ.
ومثالُ ذلك التصرفاتُ غيرُ القانونيةِ التى يلحقُها البطلانُ، هو حرمانُ صاحبِ وصيةٍ واجبةٍ أوجبَها القانونُ، لنوعٍ معينٍ من الأقاربِ، أو تصرفُ أحدِ الورثةِ فى مالٍ تركَهُ المورثُ على الشيوعِ دونَ رضاءِ باقى الشركاءِ فى الإرثِ، فيكونُ بذلك قد أصبحَ معتديًا على حصصِ وحقوقِ الشركاءِ الآخرينَ فى هذه التركةِ على الشيوعِ، لأنَّ الملكيةَ تُكتسبُ بالميراثِ بوفاةِ المورثِ ثم تنتقلُ ملكيتُهُ إلى الورثةِ، أو أصحابِ الوصيةِ الواجبةِ، إلا أنَّ أحدَ الورثةِ يجوزُ له بيعُ ما يخصُّهُ من الإرثِ على الشيوعِ، حتى لو كانت حصتُهُ مُفرزةً ومُجنَّبةً قبلَ القسمةِ، وهذا البيعُ صحيحًا مُنتجًا لأثرِهِ القانونيِّ، ولكن لا يُنفَّذُ أثرُهُ فى حقِّ باقى الورثةِ، لأنَّ التركةَ سوف تكونُ معلقةً على شرطِ قسمةٍ، لحينِ رضاءِ جميعِ الورثةِ الآخرينَ، ويصبحُ كلُّ وريثٍ قد تسلَّمَ نصيبَهُ من ميراثِهِ الشرعيِّ، ويترتبُ عليه حقُّهُ فى الملكيةِ طبقًا للمادةِ (802) من القانونِ المدنيِّ، حيث أنَّ »لمالكِ الشيءِ وحدَهُ، فى حدودِ القانونِ، حقَّ استعمالِهِ واستغلالِهِ والتصرفِ فيه»، وفى حديثٍ صحيحٍ لرسولِ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم فى ذلك، عن أبى هريرةَ رضى اللهُ عنه »أنَّ رسولَ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم قال: ومن تركَ مالًا فلورثتِهِ.» (رواه البخاريُّ ومسلمٌ)
ثم نأتى إلى كارثةِ التزويرِ فى العقودِ الابتدائيةِ أو المحرراتِ العرفيةِ، التى قد تُستخدمُ سببًا فى ضياعِ حقوقِ الورثةِ خصوصًا إذا تركَ المورثُ زوجةً وأولادًا قُصَّرًا، وتكونُ حدودُ التزويرِ وطرقُهُ هى التى تتركُ أثرًا ماديًا يدلُّ على التزويرِ، مثلَ تقليدِ إمضاءِ المورثِ على المحررِ العرفيِّ بأنَّهُ باعَ ما يخصُّهُ من نصيبِهِ فى التركةِ لأحدِ الأقاربِ من الورثةِ أو الغيرِ، أو يكونُ التزويرُ معنويًا الذى يشملُهُ المحررُ، من طمسِ كلِّ الدلالاتِ والمعانى والبياناتِ الكتابيةِ المحددةِ للمبيعِ، والتى يتمُّ تحديدُها فى الأوصافِ التى تخالفُ حقيقتَهُ، وقد نصَّت المادتان (٢١١- ٢١٣) من قانونِ العقوباتِ على أنَّ »طرقَ التزويرِ فى المحرراتِ العرفيةِ هى بعينِها طرقُ التزويرِ فى المحرراتِ الرسميةِ»، بالإضافةِ إلى ذلك يكونُ عقدُ بيعِ ملكِ الغيرِ ليس صحيحًا، ويُعتبرُ البيعُ باطلًا لأنَّهُ ليس ملكَ البائعِ، ولا يمكنُ أن يكونَ ناقلًا للملكيةِ، وهذا ما نصَّ عليه القانونُ المصريُّ فى مادتِهِ رقم (٢٦٤ـ ٣٣٣) على أنَّ »بيعَ الشيءِ المعينِ الذى لا يملكهُ البائعُ باطلٌ» وهذا حقٌّ أوجبتهُ الشريعةُ الإسلاميةُ، وإذا كان من صحةِ أركانِ عقدِ البيعِ هو التراضى بين المتعاقدينِ، فيجبُ أن يكونَ العقدُ صحيحًا وخاليًا من الغلطِ والتدليسِ والإكراهِ.
وعلى ما تقدمَ فإنَّ بيعَ ملكِ الغيرِ يترتبُ عليه البطلانُ والتعويضُ والاستردادُ، وكلُّها دعاوى يتمُّ رفعُها من صاحبِ الصفةِ والمصلحةِ، سواءً كان المالكُ الأصليُّ أو الوارثُ الشرعيُّ، الذى يُطالبُ بحقِّهِ فى التركةِ التى تركَها المتوفونَ من الأهلِ والأقاربِ ويُسمَّى هذا بالميراثِ، وإذا لم يحصلِ الوارثُ على نصيبِهِ الشرعيِّ مثلَ باقى الورثةِ، أو تمَّ الاعتداءُ على حقِّهِ لصالحِ الغيرِ فمن حقِّهِ تحريكُ الدعوى الجنائيةِ عن طريقِ النيابةِ العامةِ، إذا ثبتَ بأنَّ العقودَ والمحرراتِ الرسميةَ والعرفيةَ قد شابَها أيُّ شبهةِ تزويرٍ أو تدليسٍ أو حتى تعرضَ للإكراهِ الماديِّ والمعنويِّ لسلبِ حقوقِهِ الشرعيةِ، ودعوى مطالبةِ الورثةِ للحصولِ على الميراثِ الشرعيِّ أو ممَّن تعدى عليهِ، تُرفعُ فى أيِّ وقتٍ بعدَ وفاةِ المورثِ وليس للميراثِ مدةُ تقادمٍ، ولا يجوزُ الأخذُ بالشفعةِ إذا وقعَ بيع لعقارٍ بينَ الجيرانِ لم يأخذِ الوارثُ حقَّهُ فيهِ، حتى لو كان هذا العقارُ مُسجَّلًا من الجانبينِ، ونفترضُ حدثَ البيعُ بطرقٍ غيرِ مشروعةٍ، يكونُ هو انعدامُ عقدِ البيعِ بين البائعِ والمشترى، ولا وجودَ له فى نظرِ القانونِ، بمعنى يكونُ عقدًا باطلًا بطلانًا مطلقًا وليس له أيُّ أثرٍ قانونيٍّ يترتبُ عليهِ.
وإذا كانت المحكمةُ الإداريةُ العليا بمجلسِ الدولةِ المصريِّ، قد أرست مبدأً قضائيًا عامًا فى حكمٍ سابقٍ لها، بشأنِ التقادمِ المُسقطِ لجرائمِ الأموالِ العامةِ، وقد قالت فى ذلك على أنَّ »جرائمَ الاعتداءِ على المالِ العامِّ لا تسقطُ بالتقادمِ ولا يجوزُ الحجزُ عليهِ»، فإنَّ أيضًا الحقَّ فى الميراثِ لا يسقطُ بالتقادمِ مهما طالَ أَبَدُ الزمنِ، وهذا مبدأٌ هامٌّ مُلزمٌ من مبادئِ الشريعةِ الإسلاميةِ، وقد قال تعالى: »لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا» الآية رقم (٧) من سورةِ النساءِ.
وقولُهُ تعالى: »يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِى أَوْلَادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ» الآية رقم (١١-١٢) من سورةِ النساءِ.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض