فى الصميم
لم تكن جولة الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى بعض دول الخليج مجرد زيارة عابرة أو نشاط دبلوماسى روتينى، بل كانت محطةً مفصليةً كشفت الكثير من اختلالات الموقف العربي، فى لحظة يفترض فيها أن تكون القضايا المصيرية وعلى رأسها فلسطين حاضرةً فى كل قرار.
خلال أربعة أيام فقط، أعلن ترامب بفخر أنه جمع ما بين 4 إلى 5 تريليونات دولار لصالح الولايات المتحدة، دون أن يقابل ذلك بأي مطلب سياسي أو إنساني من الجانب العربي. لا حديث عن وقف الحرب على غزة، لا شرط لحماية المدنيين، ولا حتى تلميحٌ لحق الفلسطينيين فى إقامة دولتهم المستقلة، وكأن القضايا الكبرى للأمة قد أصبحت خارج جدول الأعمال العربي. بل أعلن الرئيس ترامب من قطر خلال الزيارة أنه سيكون فخوراً إذا امتلكت الولايات المتحدة غزة وجعلتْها منطقة حرية!!.
إن الانصياع التام للإملاءات الأمريكية، كما تمثل فى جولة ترامب الخليجية، لا يهدد فقط السيادة الوطنية لكل دولة، بل يقوض أسس العمل العربي المشترك، فعندما تتحول العلاقة مع القوى الكبرى إلى مجرد معاملات مالية، تغيب الرؤية الاستراتيجية، وتضيع الفرصة لبناء موقف عربي موحد يحفظ المصالح الجماعية.
الرئيس ترامب لم يخف نزعته الاستغلالية فى التعامل مع الدول العربية، وها هو يعيد إنتاج سياسات الابتزاز العلني، مدفوعاً بثقافة «الحماية مقابل المال»، فى وقت لا تزال فيه غزة تعانى القصف والتجويع والانتهاكات اليومية، دون أي تحرك حقيقي لوقف هذا العدوان أو حتى تقييده.
إن صمت الأنظمة العربية أمام هذه الانتهاكات، وتجاهلها لربط التعاون الاقتصادي والسياسي مع واشنطن بأي موقف منصف للقضية الفلسطينية، يضعف الموقف العربي ويعزز من هيمنة إسرائيل، الحليف المدلل للولايات المتحدة، التى لم تتوقف يوماً عن تفتيت المنطقة وزرع الانقسامات داخلها.
وسط هذا المشهد، يبرز الدور المصري كاستثناء لافت. فقد حافظت مصر، بقيادة الرئيس عبدالفتاح السيسى، على بوصلتها القومية، وواصلت دعمها للشعب الفلسطيني رغم التحديات الاقتصادية والمؤامرات الخارجية. ولطالما أكدت القاهرة أن الأمن القومي العربي لا يتحقق إلا بوحدة الصف، وتكامل المواقف، والوقوف الحازم فى وجه مشاريع التقسيم.
إننا نؤمن بأن مستقبل الأمة لا يبنى عبر المساعدات أو العقود، بل عبر استعادة القرار المستقل، وبناء تكتل عربي حقيقي يضع أمن المنطقة ومصير شعوبها فى قلب سياساته.
لعل اللحظة الراهنة –بكل ما تحمله من تهديدات– تشكل فرصةً تاريخيةً لمراجعة شاملة، تعيد ترتيب الأولويات، وتطلق مشروعاً عربيّاً قائماً على التكامل الاقتصادي، والدفاع المشترك، والرؤية الواحدة لمكانة الأمة فى هذا العالم.
التاريخ لا يرحم الغائبين عن مواقفه الحاسمة. وما زالت الفرصة سانحةً لاستعادة زمام المبادرة قبل أن يكتب على العرب دور المتفرج فى قضاياهم المصيرية.
تبقى كلمةٌ.. على الرغم من كل الضغوط والمؤامرات الخارجية التى تواجهها مصر بهدف دفعها للتراجع عن مواقفها العربية ودورها المحوري إقليمياً ودولياً، وخصوصاً فيما يتعلق بموقفها التاريخي الثابت تجاه القضية الفلسطينية، أظهر الرئيس عبد الفتاح السيسى صلابةً ووضوحاً فى التصدى لتلك المحاولات. فقد أكد بشكل قاطع رفضه لتصفية القضية الفلسطينية أو تهجير أهالى قطاع غزة، وعبر عن ذلك بشكل مباشر خلال مشاركته فى القمة العربية التى عقدت فى بغداد، مشدداً على أن تحقيق السلام الدائم والعادل والشامل فى الشرق الأوسط لن يكون ممكناً حتى وإن أبرمت إسرائيل اتفاقيات تطبيع مع جميع الدول العربية، ما لم يتم إنشاء دولة فلسطينية قائمة على أسس قرارات الشرعية الدولية.
تابعوا آخر أخبار بوابة الوفد الإلكترونية عبر نبض